حان وقت استثمار ثروة العراق في مستقبله

قمت حديثاً بزيارة مدرسة ابتدائية في البصرة كعضوة من أعضاء فريق من اليونيسف. وبينما كانت طائرتنا تحط بمطار البصرة ليلاً كان بإمكاني رؤية أعمدة النيران المنبعثة من آبار البترول التي تنتشر في المكان. لقد أصبحت البصرة اليوم مرادفة للبترول، وهي التي كانت تشتهر أكثر بمينائها – فالسندباد البحار كان يستهل رحلاته من هناك.

تضم البصرة أكبر احتياطي العراق من البترول، كما أن وتيرة انتاجه في تزايد مستمر؛ غير أن عائدات هذه الثروة، للأسف، لا تنعكس جلية على البنية التحتية للمدينة. وخلال عبرونا للبلدة على متن السيارة، شاهدت طرقاً تفتقر للصيانة، وأكوام القمامة متراكمة في الشوارع. ورأيت أيضاً دكاكين صغيرة لبيع الفواكه والخضراوات يُديرها أطفال.

تقع المدرسة التي زرناها في حي يسكنه متوسطو الدخل؛ وهي تلبي احتياجات الأطفال النازحين، ومعظمهم ينحدر من الشمال. وقمنا بزيارة صف مؤقت أتاحته اليونيسف والتقينا أطفالاً نشيطين ومتحمسين ومتفاعلين.

سألت حميدة رمضاني، نائبة المدير العام لمنظمة اليونيسف في العراق، هؤلاء الأطفال عن المهن التي يودون امتهانها حين يكبرون. وكان عباس، الذي يبلغ من العمر عشر سنوات، أول من أجاب قائلاً: “أريد أن أصير لاعب كرة قدم.” وحين سألته حميدة عن لاعبه المفضل قال: “رونالدو!”.

لقد كان من المحزن رؤية البنية التحتية المهترئة للمدرسة، وافتقار الحمامات للماء ومرافق الصرف الصحي. كان هناك صهريج مفتوح لمياه الصرف، قيل لنا أن طفلاً سقط فيه ومات. كان هناك أيضاً ملعب لكرة القدم، لكنه كان مجرد مساحة جرداء تحيط بها النفايات.

تعد هذه المدرسة واحدة من بين 419 مؤسسة تعليمية في العراق ستحتضن مشروعاً تحت إشراف اليونيسف ووزارة التعليم. ويهدف هذا المشروع لتزويد المدارس مباشرة بالموارد وإشراك أولياء التلاميذ في إدارة المدارس. ويسعى التحول إلى نظام الإدارة المعتمد على المدارس إلى تحسين مناخ المدرسة العام والرفع من نتائج الأطفال التعليمية.

كان العراق على طريق تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية في ما يخص تحسين  التسجيل في المدارس وخفض وفيات الأطفال وإتاحة الماء الصالح للشرب بحلول 2015؛ غير أنه لم يتمكن من إدراك جل تلك الأهداف بسبب الحرب والنزاع وغياب الاستقرار السياسي. ورغم توفر البترول، إلا أن محافظات الجنوب، مثل ميسان والبصرة، تعاني من نسب فقر عالية لدى الأطفال، حيث بلغت حوالي 19 بالمئة في البصرة، حسب دراسة حكومية أجريت سنة 2012. وتعد هذه النسب أسوأ من تلك المسجلة في محافظات الشمال، وربما تفاقمت أكثر بسبب النزاع الأخير والركود الاقتصادي.

فتاة تكتب
© UNICEF/UN037028/Anmarتدرس رسل في مدرسة تستفيد من دعم اليونيسف في مخيم للعائلات النازحة في البصرة، العراق. وتريد أن تصبح معلمة حين تكبر.

في العراق، طفل من بين كل أربعة أطفال يعاني من نقص النمو، وأربعة من بين كل خمسة يواجهون أشكال عنيفة من التأديب. ولا تتعدى نسبة الأطفال الذين يتمّون تعليمهم الابتدائي في الآجال المحددة 44 بالمئة؛ كما أن نسب الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى المتوسطة متدنية، وغالبية التلاميذ الذين لا يبلغون المرحلة المتوسطة هم من البنات. ويذهب نصف الأطفال الذين هم في سن المرحلة المتوسطة فقط إلى المدرسة.

وشكل التعليم أولى أولويات العراقيين على مر التاريخ. وكان بيت الحكمة، الذي أسسه العباسيون في القرن الثامن ميلادي، إبان العصر الإسلامي الذهبي، منارة للعلماء عبر العالم مثل الخوارزمي، مؤسس علم الجبر. ورغم أن العديد من الأطفال في المدرسة التي زرناها لديهم فكرة مجردة عما يريدون أن يصبحوا عندما يكبرون، إلا أنه من المؤسف غياب بديل في الواقع يقوم مقام بيت الحكمة ليلهمهم من أجل تحقيق الأهداف التي يصبون إليها.

ولكي يتحول العراق إلى اقتصاد قائم على العلم والمعرفة، عليه أن يجعل التعليم في مقدمة أولوياته. لقد حان الوقت لكي يعود إلى إرثه التعليمي الغني، ويحول ثروته البترولية إلى نتائج ملموسة، ويطور رأسمال بشري هو في أمس الحاجة إليه، من أجل أطفاله ومستقبل بلده ككل.

 

عاطف خورشيد هو رئيس السياسة الاجتماعية بمكتب اليونيسف في العراق.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".