الأطفال السوريون ينامون في الطين على حدود البلقان

كان الأسبوعان الماضيان من أتعس ما يكون بالنسبة للأطفال المرتحلين في أوروبا، حيث وقفت الأسبوع الماضي في الساحة الطينية أمام المركز الانتقالي في تابانوفتشيه بجانب الحدود الصربية. وفيما تقطعت السبل بحوالي 14,000 شخص، نصفهم من الأطفال، في خيام مؤقتة في إدوميني في اليونان، بدأ وضع مشابه يتكشف أمام عيني على الحدود بين جمهورية مقدونيا اليوغسلافية سابقا وصربيا.

حيث علق حوالي 437 لاجئ سوري على الأقل، كانوا قد عبروا الحدود الجنوبية، في الشمال، ولا يُسمَح لهم بإكمال رحلتهم من خلال صربيا. ربع هؤلاء هم من الأطفال دون سن الخامسة، و12 منهم دون سن الواحدة.

اقترب مني زوجان شابان من سوريا خجلين، وطلبا مني أن أجد من يساعد ابنتهما التي تعاني من الفزع منذ أن غادرت سوريا، فقالا: “تبدأ بالصراخ فورا ما أن يلمسها أحد، ونحن لا ندري ما يمكننا أن نفعل”.

ورجاني أب آخر، وهو يناولني قنينة حليب قذرة، أن أساعده في إيجاد حليب لأطفاله. كأم وجدة، لم أقدر على النظر إلى القنينة دون أن أشعر بالغضب. فكرت بحوالي 3.7 مليون سوري دون سن الخامسة لا يعرفون سوى الحياة التي شكلتها الحرب. وبعد أن رأوا الدمار يحل بديارهم، وشهدوا حياتهم تنهار أمام أعينهم، عليهم الآن أن يمضوا لياليهم في العراء تحت المطر، من دون أن يتمكنوا من الحصول على الخدمات المناسبة.

طفل يرتدي حذاء كبيرا عليه ويحاول المشي في الساحة الطينية.
UNICEF/Pappasطفل يرتدي حذاء كبيرا عليه ويحاول المشي في الساحة الطينية، حيث تقطعت السبل بحوالي 437 لاجئ منذ 7 آذار.

قطّعت القيود العشوائية التي فُرضت على الطريق البري الحدودي مع الدول البلقانية، السبل بأكثر من 1000 شخص في مركز تابانوفتشيه الانتقالي. ففي 7 آذار، سمح للمجموعة الأخيرة، بعد انعقاد القمة الأوروبية التركية، بالعبور إلى جمهورية مقدونيا اليوغسلافية سابقا من اليونان، ولكنهم عالقون الآن مجددا على نقاط التسجيل الحدودية.

قال لي أب شاب وهو يحاول أن يحمي ابنه من المطر البارد: “بعد أن أمضينا أربع ساعات في القطار، وصلنا إلى الحدود، وحصلنا على ختم الخروج من شرطة مقدونيا ومشينا نحو صربيا، ولكن شرطة صربيا لم تسمح لنا بالمرور. لا نستطيع الآن العودة إلى المركز الانتقالي، وليس هناك مكان نقي فيه أنفسنا من البرد والمطر، وليس لدينا طعام”.

عندما عدت للموقع بعد يومين، كانت السماء لا زالت تمطر. وكانت الساحات الطينية قد امتلأت بالخيام التي نصبت بمساعدة منسق اليونيسف الميداني والعاملين الآخرين في مجال الإغاثة – حيث اصطفت الخيام على جانبي مجرى من المياه الطينية. كان الطين يملأ المكان، لدرجة أن أحد اللاجئين جاء ليساعدني حتى لا أقع وأنا أتجول لأتحدث مع الناس.

قالت لي أحد الأمهات: “لا نستطيع العودة، ابنتاي المراهقتان ذهبتا وحدهما لألمانيا قبل بضعة أشهر، ويجب أن ألحق بهما”.

ذكرتني هذه المرأة بخطر انفصال أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، وأن الحدود المغلقة لم تثني هؤلاء الأشخاص اليائسين عن قطع هذه الرحلة. يضطر الأهالي لرؤية أطفالهم الصغار يقضون أيامهم في ظروف سيئة، على أمل أن تفتح الحدود مرة أخرى، وأن يتمكنوا من الاستمرار برحلتهم.

يقدم بعضهم تضحيات كبيرة، ويرضون بعدم الحصول على الخدمات الأساسية، ولكننا لا نستطيع أن نسمح بذلك. عملت اليونيسف على توزيع الغذاء، وحقائب النظافة العامة، والحفاظات، والملابس الدافئة، وتشجيع الأمهات على الاستمرار في إرضاع أطفالهن، ولكن لا تزال هناك حاجة للمزيد من العمل. فكم من ليلة أخرى سيبيت فيها الأطفال في الطين؟

الأطفال هم الذين يتعرضون للمعاناة الأكبر في الأزمات، ولقد عانوا خلال السنوات الأولى من حياتهم أكثر مما نقوى نحن على التحمل طوال حياتنا.

يجب أن نذكر الحكومات بالتزاماتها باتخاذ التدابير اللازمة لإيجاد قنوات قانونية آمنة يستطيع الأطفال من خلالها الهرب من الحرب والنزاع، بما فيها لم شمل الأسر، وضرورة أن يحدوا من المعاناة.

رجاء لمسفر برادة، نائبة ممثل اليونيسف في جمهورية مقدونيا اليوغسلافية سابقا

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".