ملاحظات ميدانية من مخيم الركبان

في الأسبوع الماضي، قامت الأمم المتحدة في سوريا بتعبئة قافلة من أكبر قوافل المساعدة الإنسانية لتقديم ما تشتد الحاجة إليه من إمدادات لسد رمق 40 ألف شخص تقطعت بهم السبل في مخيم الركبان، في الصحراء القاحلة على الحدود الجنوبية الشرقية لسوريا مع الأردن. وذهبنا في قافلة من 118 شاحنة إمدادات وما يزيد على 300 عامل للمساعدة الإنسانية من اليونيسف والأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري لإقامة مخيم لمدة عشرة أيام وتقديم المساعدة للأطفال والأسر التي تعيش في ظروف لا تخطر على بال. وقد انقطعت السبل ببعضهم في المخيم على مدى السنوات الأربع الماضية.

والظروف المعيشية في مخيم الركبان هي من أصعب الظروف التي واجهتها في حياتي المهنية. فقد كان هذا الشتاء قاسياً للغاية: إذ انخفضت درجات الحرارة بشدة إلى ما يقارب درجة التجمد في الليل وعَمَّ الغبار والرياح والأمطار. وتمكنا خلال بضعة أيام من أخذ لمحة عما ظلت الأسر تكابده لسنوات — إذ ما فتئت تعيش في خيام رثة لا تكاد تحمي من البرد، وقلت فرص حصولها على الماء والغذاء. ولا يفصلك عن عوامل الطبيعة سوى بضع طبقات من القماش المشمع التي تغطي بيتك الطيني. والشاغل اليومي هو الحرص على ألا يتطاير السقف بفعل الرياح — إضافة إلى كل المشاق الأخرى التي تتحملها الأسر.

ولكن رغم الطقس، رحبت بنا هذه البيوت بحرارة. وبلغة إنجليزية طليقة، قال لنا مدير مدرسة، كان مرشدا سياحيا سابقا في تدمر وفر من العنف في مدينته:

هنا في مخيم الركبان، لا نثق بأحد. فلكل طرف من الأطراف العديدة في هذه الحرب مخططه. لكن الأمم المتحدة هنا لأنها تهتم بنا

أطفال يجلسون متزاحمين فوق أرضية حجرة.
© UN/2019فصل دراسي في مدرسة من المدارس الأربع في مخيم الركبان — وهو عبارة عن هيكل طيني مكون من غرفة واحدة عديمة الأثاث ذات لوح ورقي كبير مثبت على الحائط كسبورة.

وتم التخطيط لما يتعين علينا القيام به في الأيام التالية.

اليوم، نحن في الركبان وهو موئل عدة قبائل ومجتمعات محلية مختلفة. ومن المقرر أن يكون توزيع الإمدادات على 40 ألف شخص جهداً تعاونياً. وقد قضينا عدة ساعات نناقش ونعيد مناقشة الخطط لإيجاد أرضية مشتركة. وساعدتنا المجتمعات المحلية في نقل الإمدادات من شاحناتنا الكبيرة إلى المخيم، وكان معهم في المخيم زملاءنا من الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري لضمان وصول الإمدادات إلى الأسر التي رُصدت لها.

وهذه هي قافلة الأمم المتحدة الثانية في مخيم الركبان داخل سوريا. وفي هذه المرة جلبنا، بالإضافة إلى الإمدادات الصحية والغذائية الأساسية، لوازم التعليم والترفيه والملابس الشتوية واللقاحات لنحو 10 آلاف طفل. وأنشأنا نقاط تلقيح وأماكن مراعية لاحتياجات الأطفال في المدارس الأربع داخل المخيم.

ولعل لفظ «مدارس» فيه قدر كبير من التجاوز. فهذا الهيكل الطيني المكون من غرفة واحدة عديمة الأثاث ذات لوح ورقي كبير مثبت على الحائط كسبورة لا يوحي بأنه مدرسة إلا بقوة عزيمة هؤلاء الأطفال الستين المتزاحمين فوق أرضية الحجرة. فهم يتلون أبجدياتهم ويقتسمون كتابا مدرسيا واحدا — جلبته معلمتهم معها عندما نزحت من تدمر منذ سنوات خلت. ويتذكر بعض هؤلاء الأطفال مدارسهم القديمة. فقد أخبرتني نور البالغة من العمر 15 عاماً أن كل ما تتمنّاه هي مدرسة تشبه مدرستها في مسقط رأسها حمص “لأنها تريد أن تكون ناجحة في المستقبل”.

طفل يتلقى جرعة لقاح وسط مجموعة من الأطفال.
© UN/2019طفل يتلقى جرعة لقاح في إحدى المدارس في مخيم الركبان. فقد أقامت قافلة المساعدة الإنسانية نقاطا للتلقيح وأماكن مراعية لاحتياجات الأطفال داخل المدارس الأربع هناك.

والمدارس مهمة في التعليم وفي إتاحة فرصة الغد الأفضل لأطفال من قبيل نور. لكنها أيضاً ملاذات آمنة للأطفال في أماكن من قبيل مخيم الركبان. وقد أخبرَنا الأطفال عن العنف الذي شهدوه أو تعرضوا له، وأعربت الفتيات عن تخوفهن من جلب المياه بمفردهن. ولكن لساعات قليلة كل يوم، يتمكن هؤلاء الأطفال من وضع حقائبهم المدرسية الجديدة على أكتافهم والذهاب إلى مكان ينعمون فيه بالأمان، وهذا ما يساعدهم على التعافي من الصدمات ومن ضنك عيشهم اليومي.

وطوال العشرة أيام التي قضيناها في مخيم الركبان، كانت هذه المدارس أيضاً مراكز للتلقيح في المجتمعات المحلية. فكان الآباء يحضرون أطفالهم بأعداد كبيرة. ونظرا لمحدودية فرص الحصول على خدمات الرعاية الصحية، فإنهم حريصون على حماية أطفالهم من الأمراض، ونحن كذلك حريصون على ذلك. وفي كل يوم، يقوم عشرون متطوعا من موظفي الصحة بتلقيح آلاف الأطفال دون كلل، ويفحصون الحالة التغذوية للأطفال دون سن الخامسة.

إحدى موظفات المساعدة الإنسانية توزع أدوات ترفيهية لأطفال في مخيم.
© UN/2019الكاتب «فران ايكويزا» (أقصى اليمين) ينظر إلى إحدى موظفات المساعدة الإنسانية وهي توزع أدوات ترفيهية لأطفال مخيم الركبان. فبالإضافة إلى الإمدادات الصحية والتغذوية الأساسية، جلبت القافلة لوازم التعليم والترفيه والملابس الشتوية واللقاحات لما مجموعه 10 آلاف طفل.

وبفضل الأيام القليلة التي قضيتها في مخيم الركبان، شعرت بقدر أكبر من الاعتزاز بزملائي الذين رأيتهم يُقْدِمون على العمل في ظروف صعبة للغاية. وعندما تَدْلَهِمُّ الأمور، ننبري لمواجهتها. ولكن لا يلبث أن يغمرك شعور عميق بالاعتزاز بموظفي ومتطوعي المساعدة الإنسانية وأنت ترى فريقهم يبذل كل ما في وسعه لتقديم مساعدة حيوية لكل طفل وامرأة ورجل ممن قاسوا كربا شديدا لسنوات.

والخيط المشترك الذي يتخلل حواري مع الناس الذين يعيشون في مخيم الركبان هو أنهم يريدون الرحيل والعودة إلى تدمر، ودير الزور، وحماه وحمص. والرسالة التي حمَّلونا إياها لإيصالها إلى العالم هي أن الأطفال والنساء والرجال في مخيم الركبان يريدون العودة إلى ديارهم في أمان وكرامة.

ولا يسعنا إلا أن نأمل أن تلقى هذه الرسالة آذانا صاغية لدى أولئك الذين لديهم القدرة على تحقيق أمنيتهم.

 

«فران إكويزا» هو ممثل اليونيسف في سوريا.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".