محبوسون: داخل مراكز الإيواء الليبية

في كل يوم، يسافر آلاف الأشخاص من المناطق النائية في أفريقيا والشرق الأوسط، ويجتازون الصحراء الكبرى إلى البحر الأبيض المتوسط في ليبيا. إنهم يهربون من الحرب والعنف والفقر. ويموت آلاف منهم على الطريق أو يعانون من الاستغلال وسوء المعاملة والعنف والإيواء بأمل أن يصلوا إلى أوروبا وعيش حياة أفضل.

انضمت الصحفية الإيطالية فرانشيسكا مانوتشي والمصور أليسيو رومينزي إلى اليونيسيف لتوثيق محنة الأطفال المهاجرين في مراكز الإيواء في ليبيا. ها هي حكايتهم.

تم تغيير أسماء الأفراد والتفاصيل المتعلقة بهويتهم أو إزالتها بهدف حمايتهم.

للاطلاع على مزيد من المعلومات حول أزمة المهاجرين، يرجى زيارة الموقع: www.unicef.org/uprooted

مهاجر ينظر من نافذة أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052640/Romenziمهاجر ينظر من نافذة أحد مراكز الإيواء.

“لماذا أنا هنا؟ متى يمكنني الخروج؟”

نفس الأسئلة، تُسمع مرارًا وتكرارًا.

الزمن لا وجود له في مراكز الإيواء. الزمن هو نفس اللحظة، مصنوعة من الأقفاص والصمت والظلام والوحدة. الزمن ينتظر إجابة لا تأتي أبدًا. 


كان عام 2016 هو الأسوأ على الإطلاق بالنسبة لاجتياز البحر المتوسط: فقد غرق أكثر من 4,500 شخص أثناء محاولة العبور من ليبيا إلى إيطاليا.

بمتوسط 13 حالة وفاة كل يوم.

يحتمل وقوع المزيد من الوفيات من دون تسجيل، من ضحايا حطام السفن التي تظل مجهولة.

الرحيل لا يتوقف أبدًا. حتى في الشتاء.

محنة الأطفال المهاجرين في ليبيا
انقر على الصورة لرؤية الحجم كاملا.

لقد غادر للتو آلاف المهاجرين. ويصل آلاف آخرون إلى ليبيا كل يوم. يحاول الكثير منهم الاختباء، بانتظار فرصة للإبحار في قارب، لكن الآلاف محصورون في غياهب النسيان وفي مراكز الإيواء.

إن الاقتصاد الليبي غارق في أزمة عميقة ولا تتوفر سيولة نقدية. إن تهريب البشر عمل مربح على نحو متزايد، ويتم المحاربة من أجله.

يسود عدم الاستقرار أرجاء البلد بينما تتحارب الفصائل العسكرية مع بعضها البعض أو مع القوات الحكومية. وتسيطر ميليشيات متنازعة على أجزاء محددة من ليبيا. إنها تضع قوانينها الخاصة بها، وتتحكم بالمعابر الحدودية وتحتجز المهاجرين لاستغلالهم وأخذ كل ما يملكونه من نقود.

يوجد 24 مركز احتجاز تديرها الحكومة وتضم مهاجرين من جميع أنحاء القارة وما وراءها.

أنشأت المليشيات مراكز احتجاز خاصة بها. تستحيل محاولة معرفة عددها.

إزاء كل ذلك، أردنا الدخول إلى مراكز الإيواء. أردنا أن نراها. أردنا التحدث مع الأطفال المرغمين على العيش فيها.

“لا نستطيع التكيف”

تبدو طرابلس مثل مدينة عادية عند النظر إليها من خلال نافذة السيارة.

الرحلات الترفيهية على بمحاذاة الساحل، والأسر التي تتجول في الميدان والمرور الذي يتسم بالفوضى وينُم عن مدينة دائمة الحركة.

ولكن، تحت السطح، تتسم المدينة إلى درجة عالية بالطابع العسكري، وهي مملوءة بالغضب. الصدامات بين الميليشيات المتنازعة تُعدّ من الأحداث اليومية.

ومع بزوغ الفجر، ينتظر المئات أمام المصارف للحصول على فرصتهم الأسبوعية لقبض أموالهم.

ولكن، في ليبيا، يعدّ امتلاك المبالغ النقدية الآن بمثابة معجزة.

مهاجرون يجلسون داخل مبنى في أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052605/Romenziمهاجرون يجلسون داخل مبنى في أحد مراكز الإيواء.

طبقًا لسعر الصرف الرسمي، فإن 1 دولار أمريكي يساوي 1.4 دينار. وفي السوق السوداء، يساوي ما بين 5-7 دنانير.

والفساد الآن عاملٌ متوطنٌ في الحياة الاقتصادية للمدينة. من يملكون المال الآن، يملكون السلطة.

مسؤول وزارة الداخلية المسافر معنا إلى مركز احتجاز يتسم بالصراحة الشديدة: “في طرابلس هناك 13 مركز احتجاز غير قانوني، تديرها الميليشيات المسلحة. لا يمكننا حتى الاقتراب من هذه المناطق، نظرًا لأن هذا يُعرض حياتنا للخطر.”

“[الميليشيات] تمتلك أكوامًا من الأموال النقدية، نظرًا لأنها تبتز المهاجرين وتطلب من أسرهم دفع الفدية”

إنهم يمتلكون أكوامًا من الأموال النقدية، نظرًا لأنهم يبتزون المهاجرين ويطلبون من أسرهم دفع الفدية” “ليس لدينا المال لشراء الطعام، لذا فلابد أن نغلق المراكز، نظرًا لعدم قدرتنا على التكيف

في مركز الإيواء 1، يُحتجز 60 امرأة و20 طفلاً في غرفة كبيرة، يعيشون في عنابر مزدحمة تضم عشرات من المراتب الموضوعة جنبًا إلى جنب.

بعض النساء يحاولن إنشاء ما يشبه الحياة اليومية العادية من خلال تمشيط الفتيات فيما تعتني الأخريات بصغارهن.

أطفال يسيرون في الباحة خارج أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052805/Romenziأطفال يسيرون في الباحة خارج أحد مراكز الإيواء.

ويل، البالغ من العمر 8 أعوام، يقبع وحيدًا. عيناه تكشفان عن حزنٍ عميق.

يعاني ويل من الوحدة نظرًا لوفاة والديه غرقًا في البحر.

أثناء الرحلة، لم يكن لديه سترة نجاة، وانقلب القارب.

وهو يقول “أردنا الذهاب إلى إيطاليا، كنا على متن قارب” “بعد فترة، بدأ القارب في الامتلاء بالمياه وبعدها بقليل غرقنا.”

“كان هناك طفل تشبثتُ به لساعات عديدة، بينما كان يسبح نحو الشاطئ. لقد أنقذ حياتي. ولكن أبي وأمي توفيا.”

منذ ذلك الحين، تعتني به بعض النساء في المركز.

وهو يمشي حافيًا، لا يلوي على شيء. ويبحث عن اللعب بين الأعداد القليلة الموجودة منها.

خارج مركز الإيواء هناك منطقة مفتوحة واسعة.

يدّعي حارس ليبي أنه يصطحب الأطفال إلى الخارج يوميًا، ولكن هناك طفل يقول أنهم يخرجون مرة واحدة كل أربعة أيام.

“كلما كنت أقول لأمي أنني أريد أن أصبح طبيبة، كانت تجيبني: حين نصل إلى إيطاليا فسوف تدرسين وتصبحين طبيبة”

في نهاية الغرفة، تحتضن خميس أحد أخوتها الصغار، في حين ترضع أمها أخاها الآخر.

تبلغ خميس من العمر 9 أعوام، وترتسم على وجهها ابتسامة كبيرة حين نسألها عن حلمها.

وتقول “أريد أن أصبح طبيبة” “قبل أن نترك نيجيريا، كنت كلما أقول لأمي أنني أريد أن أصبح طبيبة، كانت تجيبني: حين نصل إلى إيطاليا فسوف تدرسين وتصبحين طبيبة.”

لاجئون ومهاجرون في ميناء باليرمو، سيسلي، إيطاليا.
© UNICEF/UN020000/Gilbertson VII Photoلاجئون ومهاجرون في ميناء باليرمو، سيسلي، إيطاليا.

ولكن أسرة خميس لم تصل إلى إيطاليا قط. فقد ألقي القبض عليهم في عرض البحر حين تحطم القارب الذي كانوا يستقلونه.

تجيش مشاعر أم خميس. من الصعب معرفة ما إذا كان ذلك بسبب الارتياح لبقائها على قيد الحياة أم الإحساس بالذنب لأنها أخذت معها أطفالها الثلاثة على قارب مطاطي لعبور البحر.

تقول بين دموعها “لم أكن أعلم أن الأمر محفوفٌ بالمخاطر إلى هذا الحد،” “لم يخبرني أحدٌ الحقيقة بشأن مدى خطورة الرحلة.”

“أدركت ذلك بمجرد وجودنا على متن القارب. في كل مكان حولنا كان الناس يبكون ويصيحون، وكان كل ما أفكر فيه هو: ‘إذا كان دوري قد جاء لأموت، فلا بأس، ولكن يجب أن ينجو أطفالي‘.”

“متى سأخرج؟”

على طول الطريق الساحلي من طرابلس إلى مركز الإيواء التالي كان هناك العديد من نقاط التفتيش. تقع أكثر نقاط التفتيش أهمية في القربولي، وهي مدينة جانبية صغيرة ومنطقة استراتيجية يفد إليها آلاف المهاجرين.

يقول سائقنا حسان “في القربولي، لا يملك حرس السواحل موارد كافية،” “ولكن فوق كل شيء، فإنهم خائفون بسبب التهديدات التي تصدرها الميليشيات التي تسيطر على تهريب البشر. حين يرى حرس السواحل قاربًا يُبحر، فإنهم ببساطة يغضون الطرف عنه، ولا يقولون أي شيء ويتظاهرون بأنهم لا يرونه.”

“ولكن حتى إذا أراد حرس السواحل مكافحة التهريب، فإنهم لا يملكون العدد الكافي من مركبات الإنقاذ. وهم يستعيدون القوارب المسطحة المنجرفة، حين يتسنى لهم ذلك، باستخدام القوارب الخاصة أحيانًا.”

إلا أنهم كثيرًا ما يُخرجون جثثًا.

طفل يقف في غرفة تنام فيها نساء وأطفال فوق مراتب قديمة في أحد مراكز الاحتجاز في جنوب طرابلس, ليبيا.
طفل يقف في غرفة تنام فيها نساء وأطفال فوق مراتب قديمة.

يقول حسان “عشرات الميليشيات المسلحة تشارك في تهريب البشر، وهم يحتجزون المهاجرين في ظروف بائسة؟ “وهم يكيلون بمكيالين”.

“فمن جانب، يطلبون المال من وزير الداخلية لإدارة المراكز، مقابل الطعام والمياه والملابس، في حين يبتزون المهاجرين من جانبٍ آخر، ويسيئون إليهم، ويطلبون الفدية من ذويهم، ويستخدمونهم كعبيد للعمل، وأخيرًا يرسلون المهاجرين للموت في البحر، كأن كل هذا غير كافٍ.”

حين نصل إلى مركز الإيواء 2، نجد حارسين من حراس السجن يجلسان خارج المبنى.

يخبرنا الحارسان أنهما لم يقبضا راتبيهما لمدة 14 شهرًا. يرافقنا أحدهما إلى الداخل، ممسكًا بمجموعة مفاتيح. صوت المفاتيح هو الصوت الوحيد الذي يكسر حاجز الصمت.

منطقة الرجال مغلقة بقفل كبير. هناك ما يقرب من 40 فتى تزدحم بهم منطقة القضبان الحديدية التي تفصل منطقة الرجال عن منطقة النساء.

يناشدوننا: “هل يمكنك مساعدتي؟ أرجوك ساعدني. أريد الخروج. نريد حريتنا.”

عيسى البالغ من العمر أربعة عشر عاما، المهاجر من النيجر، يضع يده على بوابة داخل أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052682/Romenziعيسى البالغ من العمر أربعة عشر عاما، المهاجر من النيجر، يضع يده على بوابة داخل أحد مراكز الإيواء.

على الأرض، يمسك أصغرهم بالبوابة، محدقًا في الأرض. اسمه عيسى. وهو من النيجر ويبلغ من العمر 14 عامًا. إنه وحيد. نطلب من الحارس أن يفتح القضبان.

عينا عيسى مليئتان بالخوف. لديه ذكريات كثيرة ولكنه لا يستطيع إيجاد الكلمات للتعبير عنها. ويكتفي بالنظر إلينا كأننا نستطيع أن نشرح له سبب وجوده هناك.

أراد عيسى أن يعبر البحر، ليجد وظيفة ويعمل جاهدًا لكسب المال.

فقد ماتت أمه، وأبوه فقير وهو الأكبر من بين خمسة أخوة لا يملكون قوت يومهم.

وهو يقول، جالسًا على مرتبة موضوعة على الأرض، “غادرت النيجر منذ عامين ونصف،” “حين وصلت إلى ليبيا اضطررت للبحث عن عمل وعملت في مزرعة.”

“كنت أعتني بالحيوانات والأشجار مقابل 250 دينارًا في الشهر [نحو 180 دولار أمريكي]. ولكن منذ ستة أشهر توقف المالك عن دفع راتبي. حاولت أن أطلب منه نقودي، ولكنه قال لي ‘ذا كنت غير راضٍ، يمكنك أن ترحل.‘ لذا رحلت. ولكن حين وصلت إلى المدينة لكي أبحث عن وظيفة أخرى منذ أربعة أشهر، ألقت الشرطة القبض علي.”

منذ تلك حظة، احتُجِزَ عيسى في مركز الإيواء.

ومع إعادة وضع القفل على الباب، يستمر عيسى في النظر إلينا من بين القضبان. وعندما نستعد للرحيل، فإن الصوت الأخير الذي نسمعه هو صوته الحاد يسألنا “متى سأخرج؟”

صبي ينظر من وراء قضبان زنزانة في مركز اعتقال.
© UNICEF/UN052612/Romenziصبي ينظر من وراء قضبان زنزانة في مركز اعتقال.

“اريد أن أذهب على المدرسة، أحبّ المدرسة”

يتألف مركز الإيواء 3 الذي زرناه من مبنى خرساني في مكان منعزل. في الجانب الأيمن، توجد النساء وفي الجانب الأيسر الرجال. كل منطقة لها بوابة مغلقة بقفل.

لا توجد كهرباء ولا مياه نظيفة.

وطبقًا للمديرين والحراس في مركز الإيواء، فإن الحكومة الرسمية لا توفر التمويل ولا تدفع ثمن الطعام ولا المستلزمات. وفي العادة لا يُقدّم أي طعام للمهاجرين.

الزنازين المخصصة للنساء مزدحمة للغاية. بطاطين النوم مكوّمة على الأرض، في مساحة لا تتعدى بضعة أمتار مربعة.

الرائحة الكريهة التي تنبعث من المرحاض عند المدخل تجعل الهواء لا يطاق.

مواسير المياه الموجودة في قسم الرجال معطلة والفضلات تغطي نصف الأرضية.

الجدران مغطاة بالكتابات: “إننا نعامل مثل الحيوانات”، “عنصرية قبيحة”، “حياة السود في ليبيا مثل الجحيم”.

باتى، 16 عاماً، مهاجر من نيجيريا، يقف في باحة أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052641/Romenziباتى، 16 عاماً، مهاجر من نيجيريا، يقف في باحة أحد مراكز الإيواء.

باتي تبلغ من العمر 16 عامًا وقد هربت من نيجيريا.

تقول باتي “اضطررت للعمل من أجل أخوتي،” “اضطررت لترك المدرسة من أجل تعليمهم، لكي أدفع مصاريفهم. إن لم أعمل فلن تمتلك أسرتي المال لإطعامهم.”

مثل الآلاف من الأشخاص الآخرين الهاربين من الحرب والفقر، عبرت باتي الصحراء الكبرى. استغرق ذلك منها 14 يومًا.

وحين تبدأ في سرد قصتها، فإن عيناها تبدوان زائغتين في الذكريات.

“كانت الرحلة صعبة. صعبة للغاية. نظرًا لأننا اضطررنا للمشي، لم تكن لدينا سيارات. مشينا لمدة أسبوعين للوصول إلى ليبيا، وفي بعض الأحيان كنا نمشي ونظل بلا مياه لمدة يومين.”

وتكرر مرارًا وتكرارًا “لم نكن نود أن نكون هنا،”

تجلس نسوة كثيرات حولها. وهن يدعمن باتي، ويطلبن منها ألا تخاف. قصتها هي نفسها قصتهن.

ألقي القبض على باتي في عرض البحر. تعطل محرك القارب المطاطي الذي كانت تستقله، وتم إحضار جميع الأشخاص الذين كانوا على متنه – حوالي 120 من الرجال والنساء والأطفال – إلى البر وألقي القبض عليهم.

وهي تقول “حين كنت في البحر، كنت خائفة للغاية،” “كانت أحلامي بالذهاب إلى أوروبا وإنشاء حياة جيدة لي ولأخوتي هي عزائي الوحيد.”

اليوم، حين تتخيل حياة أفضل، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنها هو التعليم.

“كان جزءٌ مني سعيدًا في عرض البحر. كنت أقول لنفسي: حين أصل إلي أوروبا فسوف أعود إلى المدرسة ويمكنني أن أبدأ حياة جيدة. وهي تقول “أريد أن أذهب إلى المدرسة، فأنا أحب المدرسة،”

امرأة وطفل ينامان على مرتبة قديمة مدّت على الأرض في أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052795/Romenziامرأة وطفل ينامان على مرتبة قديمة مدّت على الأرض في أحد مراكز الإيواء.

“هل تستطيع أن تساعدني”

يقع في منطقة تتقاتل فيها مليشيات متنازعة، فإن إمكانية الوصول إلى مركز الإيواء التالي محفوفة بالمخاطر.

حين نصل إلى المركز الواقع على مسافة 70 كم جنوبي طرابلس، فإن أول ما تقع عليه أعيننا هو السور المحيط به والمصنوع من الأسلاك الشائكة.

يقول أحد الحراس “إننا في حاجة إلى توفير الحماية لهم،”

ولكن في مراكز الإيواء الليبية فإن الخط الفاصل بين حماية المهاجرين وبين ما يعد تهديدًا لهم يصبح غير واضحٍ بصورة متزايدة.

في يوم زيارتنا هناك نحو 1,400 شخص في مركز الإيواء. منهم 250 شخص من القُصَّر غير المصحوبين بذويهم.

يقابلنا مدير المركز عند البوابة. في مكتبه، يروي لنا قصة المركز، من عصر القذافي وحتى اليوم.

“الأطفال عادة ما يكونون وحدهم. ويضيف “وهم يقطعون 2000 كم من الصحراء دون أسرهم، ويتم إنقاذهم في البحر دون وثائق،” “وهذا يجعل من الصعب علينا أن نعرف جنسيتهم الحقيقية وعمرهم الحقيقي.”

“قبل عام 2014، كنّا كثيرًا ما نعيدهم إلى الحدود، لكي نعيدهم إلى مجتمعاتهم المحلية، ولكن بعد الحرب الأهلية الأخيرة، أصبح الأمر أصعب بكثير. هذه المناطق خطرة، حتى بالنسبة لنا.”

مهاجرون يجلسون على مرتبة مدّت على الأرض في مركز احتجاز في ليبيا.
© UNICEF/UN052826/Romenziمهاجرون يجلسون على مرتبة مدّت على الأرض في مركز احتجاز في ليبيا.

وهو يصف كيف أن المركز عادة ما يتعرض لتهديدات من قِبل جماعات المهربين. “العديد من المهربين يصلون إلى المركز في جنح الليل، ويجبرون الجنود على إعطائهم مجموعات من المهاجرين لكي يجبروهم على العمل دون مقابل. إنهم أناس خطرون، ومسلحون، وبلا شفقة. وهم لا يفرقون بين البالغين والأطفال.”

“بالنسبة لنا، من الصعب للغاية أن نضمن السلامة في هذا المكان. وحتى حراس السجن واقعون في مشكلة كبيرة، فالحكومة الرسمية لا تعطينا المال لدفع الرواتب ودفع مستحقات لموردي الطعام. لذا فإننا كثيرًا ما لا نملك ما يكفي من الطعام أو من مياه الشرب. هذا الشتاء قارس البرودة بشكل استثنائي وفي الأسابيع القليلة الماضية وحدها، تجمّد 15 مهاجرًا حتى الموت.”

“هذا الشتاء قارس البرودة بشكل استثنائي وفي الأسابيع القليلة الماضية وحدها، تجمّد 15 مهاجرًا حتى الموت.

يعيش المهاجرون في بنايات مصنوعة من الألواح المعدنية الرقيقة – يعانون البرد الشديد في الشتاء والحرارة الحارقة في الصيف. يحتوي كل مبنى على عشرات الأشخاص، المحبوسين وراء الأقفال. يمر الضوء من خلال نوافذ صغيرة وعبر القضبان الحديدية للباب.

المشهد مؤثر جداً.

مهاجرون ينظرون من وراء قضبان زنزانة.
© UNICEF/UN052613/Romenziمهاجرون ينظرون من وراء قضبان زنزانة.

أثناء سيرنا عبر المركز، يحتشد عشرات الرجال عند الأبواب. ومن وراء كل باب تأتي الكلمات نفسها: “إننا نحتضر، أخرجونا من هنا، إننا نعيش مثل الحيوانات، إنهم يضربوننا كل يوم.”

“إننا نحتضر، أخرجونا من هنا، إننا نعيش مثل الحيوانات، إنهم يضربوننا كل يوم.”

الأطفال والمراهقون جميعهم يخرجون أيديهم يستجدون المساعدة.

إنهم يائسون ونحن لا نملك القدرة على تقديم الإجابات لهم.

يبلغ متوسط الوقت الذي يمضيه المهاجرون في مركز الإيواء نحو 8-10 أشهر، كما يقول المدير.

ولكنه، حين يُسأل عمّن يقرر الوقت الذي يمكن فيه إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص، وما ينتظرهم في الخارج فإنه لا يُعطي تفاصيل مقنعة، ويتحدث بغموض عن الإعادة الطوعية إلى الوطن.

والشعور الذي ينتابنا هو أن احتجاز هؤلاء الرجال والمراهقين والأطفال تعسفي تمامًا.

يقترب جون مني، حريصًا على ألا يراه الحراس. “هل يمكنك مساعدتي؟” إنها أول عبارة يوجهها لي، دون أن يعرف من أنا.

إنه يبلغ من العمر 15 عامًا، وعيناه لم تعودا عينا طفل. إنهما عينان رأتا الكثير ولا تستطيعان النسيان.

نجلس بجوار المرتبة التي ينام عليها منذ سبعة أشهر.

إنه يرغب في أن يُخبر أسرته أنه لا زال على قيد الحياة، ولكنه لا يستطيع ذلك. بمجرد القبض عليهم، يقوم الجنود الليبيون بمصادرة الهواتف الجوالة للمهاجرين. وتنقطع وسيلة اتصالهم الوحيدة.

بعد موت والدي جون منذ عامين، عاش لفترة مع جدته، ثم قرر أن يحاول الذهاب إلى ليبيا وعبور البحر.

دفع 1000 دولار أمريكي لكي يعبر النيجر من أغاديس إلى القطرون، ثم إلى سبها. وبمجرد وصوله ألقى الجنود الليبيون القبض عليه.

يقول “كنت رحلتي من نيجيريا إلى ليبيا رهيبة وخطرة،” “دعوت ألا أموت.”

“في الصحراء لم يكن لدينا مياه ولا طعام، لا شيء. مات الرجل الذي كان يجلس بجواري أثناء الرحلة. كانت الصحراء شديدة الحرارة. حين يموت شخصٌ ما في الصحراء، فإنهم يلقون الجثة فحسب.”

يصف جون لنا بكل شجاعة كيف يعيش في مركز الإيواء. يقول “هنا يعاملوننا مثل الفراخ. يضربوننا ويضايقوننا. الكثير من الأشخاص يموتون هنا، يموتون من المرض، ويتجمدون حتى الموت.”

“حين يدخل الجنود الليبيون غرفنا، يعاملوننا مثل العبيد، ويقولون لنا إننا عبيدهم. ولكننا بشر، مثلهم،”

امرأة تقف أمام جدار في باحة أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052639/Romenziامرأة تقف أمام جدار في باحة أحد مراكز الإيواء.

“إني أفعل ذلك من أجل أبي”

يستخدم مركز الإيواء 5 كمكان لإقامة حفلات الأعراس. ويضم حالياً 160 مهاجراً يحتجزون لمدة 24 ساعة يومياً.

كان أدامو يتمنى مستقبلاً أفضل في أوروبا، ولكن بمجرد وصوله إلى ليبيا أصبح رهينة.

وهو من مواليد عام 1991 في النيجر، ويكتسي وجهه بإمارات المرض وهو شاحب من الجوع. يتنفس بصوتٍ عال ويمشي بصعوبة.

منذ القبض عليه من قِبل الشرطة الليبية قبل ستة أشهر مضت، يمضي حياته في غرفة تفوح منها رائحة الأشخاص غير القادرين على الاستحمام. 160 شخصًا يستخدمون 6 مراحيض.

حصل أويزمان على أمر ترحيل، استطاع الحصول عليه من سفارة النيجر في طرابلس. أدخلته الوثيقة فيما يعرف بخطة العودة الطوعية إلى الوطن والتي تتيح له من الناحية الفنية مغادرة البلاد. ولكنه لا يملك المال لدفع ثمن تذكرة الطيران وهو مريض للغاية.

مهاجر يجلس في بقعة ضوء يتسلل عبر إحدى النافذتين الموجودتين فقط بينما يحاول أن يتدفأ في أحد مراكز الإيواء.
© UNICEF/UN052823/Romenziمهاجر يجلس في بقعة ضوء يتسلل عبر إحدى النافذتين الموجودتين فقط بينما يحاول أن يتدفأ في أحد مراكز الإيواء.

إنه مصاب بالسل. ولهذا السبب لا يستطيع تناول الطعام، ولا التنفس على نحوٍ جيد، ولا الوقوف على قدميه.

ولكن الأطباء لا يأتون إلى مركز احتجاز صلاح الدين.

المستشفيات العامة رفضته. والعيادات الخاصة طلبت دفع 200 دينار (حوالي 140 دولار أمريكي) يوميًا بالإضافة إلى ثمن الأدوية.

حاول الحارس في مركز الإيواء استدعاء العديد من الأطباء، ولكن لم يأتِ أحد.

كان اليوم الذي نزور فيه مركز الإيواء هو اليوم الذي نشهد فيه بعض أفعال الكرم القليلة تجاه أحد المهاجرين. قرر الحارس أن يدفع ثمن الإسعاف، والأدوية والإقامة في المستشفى لأدامو.

يقول الحارس “أفعل ذلك من أجل أبي”. “أفعل ذلك من أجل ذكراه. كان سيفتخر بي. أبي لم يكن سيحب أبدًا رؤية ما وصل إليه حال ليبيا اليوم.”


فرانشيسكا مانوشي صحفية إيطالية. وهي تكتب في مختلف المجلات الإيطالية والدولية، والتلفزيون، بما في ذلك: L’Espresso ، والجزيرة، و MiddleEastEye، و RAI-3 و Skytg24، من بين صحف ومحطات أخرى. ويركز عملها على مناطق الهجرة والنزاع. وفي السنوات الأخيرة بدأت تكتب تقارير من تونس ومصر ودول البلقان والعراق وليبيا وتركيا ولبنان. وفي العام الماضي، أخرجت مع المصور أليسيو رومينزي، “إذا أغمضت عيني”، وهو فيلم وثائقي عن الأطفال اللاجئين السوريين في لبنان عُرض في شهر أيلول/سبتمبر الماضي في مهرجان روما السينمائي. وفي عام 2016 نالت Premiolino، أهم جائزة للصحافة في إيطاليا.

أليسيو رومينزي مصور إيطالي. نشأ في قرية صغيرة في جبال الأبينيني الإيطالية، عمل سابقاً في إعمال التبريد والحدادة. وقرر لاحقاً أن يذهب إلى الشرق الأوسط، ليغطي ما يسمى بالربيع العربي منذ البداية، مع التركيز بشكل خاص على مصر وليبيا. ثم انتقل اهتمامه إلى سوريا. كان إليسيو أحد أوائل المصورين الذين تم تهريبهم إلى داخل البلد عندما بدأ نظام بشار الأسد يزيد من استخدام القوة النارية ضد المعارضة ومنع دخول الصحفيين. وقد نالت أعماله مرة واحدة جائزة صور اليونيسيف للسنة ومرتين على جائزة صور الصحافة العالمية وصورة السنة الدولية. وتظهر صور إليسيو بانتظام في المجلات الدولية الرئيسية، وتستخدمها المنظمات الإنسانية الدولية. وعندما سئل عن الدوافع الكامنة وراء عمله، قال إنه لا يوجد أي شيء قاطع يمكن أن يقوله. ويقول ببساطة إن الكاميرا هي أفضل وسيلة لديه لتوثيق ما يجري هناك

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".