في أوكرانيا، مساعدة العقول الصغيرة على الازدهار مرة أخرى

يشير لنا الجنود على نقطة التفتيش الخامسة بالمرور، لندخل أخيرا قرية هرانتين. القرية عالقة بالمنتصف بين الجيش الأوكراني على جهة والمجموعات المسلحة التابعة لسلطات حكم الأمر الواقع في دونيتسك على الطرف الآخر من الجسر. فهذه المنطقة تعد هي الخطوط الأمامية للنزاع في شرق أوكرانيا، كما أنها موطن داشا ذات الـ16 عاما.

أعمل مع فريق اليونيسف في ماريبول في أوكرانيا، التقيت هناك بداشا في منزلها الواقع على أطراف القرية. وهي تحاول أن تتكيف جاهدة مع واقعها الجديد، حيث تقول لنا: من الممكن أن نتحدث مع بعضنا البعض لنتجنب النزاع. ولكن يستمر الناس في الاقتتال وفي قتل بعضهم البعض. ولا يستطيع الأطفال أن يفهموا السبب، لِمَ كل هذا؟”

داشا محظوظة لأنها على قيد الحياة، فقبل بضعة أشهر دخلت شظية كبيرة من شباك المطبخ واستقرت في الخزانة. وبعدها بفترة قصيرة، انفجرت رصاصة بينما كانت تسخن الفحم لتعد كوبا من الشاي، واخترقت السقف على الفور.

داشا تقبل أمها، فيرا، مودعة إياها قبل أن تنطلق ماشية إلى مدرستها في قرية هرانيتني.
UNICEF Ukraine/Kozlovداشا تقبل أمها، فيرا، مودعة إياها قبل أن تنطلق ماشية إلى مدرستها في قرية هرانيتني.

يتلمسون الطريق إلى المستقبل بحذر

تقع المدرسة المحلية على الطرف الآخر من القرية على بعد 15 دقيقة. وعندما يحتدم الاقتتال، تنتظر داشا مع زملائها ومعلميها حتى يهدأ الوضع قليلا ليمضوا في طريقهم إلى المدرسة، فهم مصرون على متابعة تعليمهم. حيث توضح لنا قائلة: “يبدو لي اليوم أن التعليم هو أهم شيء.

أريد أن أحصل على شهادة الصف الحادي عشر وأتابع تعليمي. وبالنسبة لي هذا هو هدفي الأساسي في هذه المرحلة”. نحاول ألا نحيد عن الشوارع والطرقات الإسمنتية، ونمر في طريقنا على المنازل المدمرة والحفر الناجمة عن القذائف والنوافذ المغلقة بألواح خشبية. بالأمس تعرض فتى في الثانية عشر من العمر بإصابة عندما داس على لغم في حديقته. تحسنت القدرة على الوصول مع انخفاض حدة الاقتتال. لازال الوضع متوترا ولكن زادت الحركة ومعها ارتفع خطر وقوع الحوادث. تقوم اليونيسف وشركاؤها حاليا بالعمل على رفع مستوى برامج التثقيف بمخاطر الألغام.

البرد قارس في صف داشا، وسيزيد الوضع سوءا مع ازدياد برودة الشتاء، فالمدرسة لا توفر حاليا سوى أبسط الشروط الأساسية، خاصة مع تهشم النوافذ، وتسرب المياه من السقف، وعدم توفر المياه في الصنابير. كان عدد الأطفال المسجلين في المدرسة قبل النزاع 280 طفلا، لا ينتظم منهم في المدرسة اليوم سوى 161 طفلا، حيث ترك الكثير من أصدقاء داشا القرية بحثا عن مناطق أكثر أمنا.

نقل النزاع للمنزل

سينتقل الفريق إلى منطقة أخرى بعد ظهر اليوم. ولا يمكننا التنبؤ بما سيواجهنا في رحلتنا إلى ماريبول التي تبعد 20 كم عن هذه المنطقة. حيث يلف الغموض جميع أنحاء البلاد، ويؤثر على حياة داشا وأقرانها كل يوم. ولذا سيكون توفير الدعم النفس – اجتماعي، الذي يحتاجه الشباب الأوكرانيون للتعافي وبناء مجتمع أكثر تسامحا، ضروريا خلال الشهور والسنوات القادمة. ودرس مكتب اليونيسف في أوكرانيا حاليا طرقا مبتكرة لتحقيق ذلك، مثل فرق الدعم النفس – اجتماعي المتنقلة للوصول إلى القرى والبلدات التي انقطعت الطرق إليها.

استغرقت رحلة العودة إلى كييف حوالي 13 ساعة، وبالرغم من أن النزاع الدائر في شرق البلاد بعيد جغرافيا عن العاصمة، إلا أن مخالبه تمتج لتصل إلى جميع أنحاء البلاد، فساحات العاصمة وشوارعها المرصوفة بالحصى، مليئة بنصب الجنود الذين قضوا. وفي شارع آندر ديسينت، وهو شارع سياحي مشهور، نرى ’كتيبة‘ من المتطوعين تعلم الأطفال كيفية تلقيم السلاح، ونراهم يحاولون تطبيق ما تعلموه بارتباك بجانب كشك لبيع الألعاب المحشوة محلية الصنع. يجلب المقاتلون العائدون من الجبهة معهم الصدمة، والتوتر والأسلحة، الأمر الذي يؤثر على حياة الأسر وعقول الأطفال.

وطالما لا يتم التوصل لحل للنزاع، فستبقى حياة الشباب في أوكرانيا معطلة، أذكر ما قالته لي داشا في القرية: “سأتذكر هذه السنة طوال حياتي، فأنا أشعر وكأنها 10 سنوات في سنة واحدة لأنها كانت صعبة للغاية”. من الواضح أن داشا لن تنسى ما مرت به، ولكن مع الدعم المناسب، يمكن لحياة داشا وغيرها من الشباب المتأثرين بالنزاع في أوكرانيا أن تزدهر مرة أخرى.

توبي فريكر، خبير بالإعلام في حالات الطوارئ، قسم الإعلام، اليونيسف، الذي عاد لتوه من أوكرانيا.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".