عناق كبير من الدب عائشة

تقول فرح وهي تفتح راحتيها، مبينة ثماني أصابع: “عمري ثمانية سنوات”. وتضيف، وابتسامة كبيرة تعلو وجهها: “أنا في الصف الثاني”. وأعلنت بعدها أنها ترغب في أن تصبح طبيبة عندما تكبر، وعندما سألتها عن السبب نظرت إليّ مستغربة وقالت: “لأن هذا ما أرغب في أن أكونه”، فعلا هذا هو أفضل سبب يمكن أن يخطر ببال أي شخص.

تشير الأرقام الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وصول ملايين اللاجئين والمهجرين إلى أوروبا عبر البحر والبر منذ بداية العام. وهي أرقام غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، والأطفال في قلب هذه الأزمة. فحوالي 45% من الواصلين الجدد إلى اليونان هذا العام، كانوا من النساء والأطفال. أما في دول البلقان، فوصلت نسبة الأطفال والنساء الذين يقطعون الحدود إلى 56%، وفي شهر كانون الأول، أصبح واحد من كل ثلاثة من الذين يعبرون الحدود من الأطفال، وفرح هي واحدة منهم.

كانت درجة الحرارة تقارب الصفر في اليوم الذي التقيت فيه بفرح في مركز خدمات التسجيل المتكاملة في بريسيفو في صربيا. كنت أصحب فريقا من خبراء التصوير الفوتوغرافي/ التصوير بالفيديو في بعثة في بلدان البلقان لتوثيق أزمة اللاجئين والمهاجرين وأثرها على الأطفال. كانت فرح، التي ترتدي حذاء شتويا وردي اللون، تلعب ببعض قطع التركيب الملونة (الليجو) على الأرض في المساحة الصديقة للطفل التي تدعمها اليونيسف، بينما جلس والداها يتدفئان قرب الموقد الأسود الموجود في آخر القاعة. قطعت فرح مع أخويها التوأمين الكبيرين سيف ونوال (12 سنة)، وأخوها مالك (4 سنوات)، وأخوها الرضيع علي، رحلة مضنية من الموصل في العراق إلى اليونان على ظهر قارب، ثم عبروا من جمهورية مقدونيا اليوغسلافية سابقا إلى صربيا. وعندما سألتهم عن وجهتهم، قالوا أنهم لا يعرفون، ولكنهم يريدون الذهاب لمكان آمن، وسألوني: “هل تعرف إن كان الجو باردا في كرواتيا كما هو هنا؟”

أصيب علي، الذي لم يتجاوز عمره السنة الواحدة، بالبرد في طريقه إلى صربيا، وكان يتلقى العلاج في المركز.

وفيما كانوا ينتظرون القطار الذي سيوصلهم إلى الحدود الشمالية مع كرواتيا، جلست بجانب فرح.

فتاة صغيرة تنظر إلى الكاميرا.
UNICEF/C. Liuteفرح، 8 سنوات من الموصل، ترغب في أن تصبح طبيبة عندما تكبر. تمر هي وأسرتها عبر بريسيفو.

وبينما كنا نتحدث، جاء أحدهم وأعلن وصول القطار. قفزت فرح واقفة وانتظرت بصبر حتى ساعدتها والدتها في ارتداء معطفها الشتوي وقبعتها.

وفيما انتقلت أمها لتساعد إخوتها، عانقت فرح وقبلت جميع الأخصائيين الاجتماعيين الموجودين في المساحة الصديقة للطفل مودعة إياهم. عندما وصلت عندي، حملت دبا كبيرا لونه بني فاتح، يرتدي ملابس مخططة وشبرة رأس من نفس القماش، قبلتني على وجنتيّ، وطوقتني بذراعيها لفترة طويلة وطلبت من دبها أن يقوم بذات الشيء.

“ما اسمه؟”

أجابت: “ليس له اسم”.

قلت لها: “لا يجب أن يكون لديك دب دون اسم، دعينا نطلق عليه اسما سويا!”

نظرت إلي وفكرت للحظة، ثم قالت: “أعرف ما سأسميه! سأسميه عائشة!”

وبعد أن حصلت على عناق كبير من الدب الذي أطلقنا عليه اسم عائشة، ودعتُ فرح وتمنيت لها حظا طيبا. وفي طريقها إلى المخرج التفتت إلينا، وابتسمت لنا ابتسامة أخيرة، وأرسلت لنا قبلة سريعة، وبعدها ركضت لتلحق بأسرتها.

أتأسف لأنني لم أتمكن من قضاء المزيد من الوقت مع فرح، ولكنني منذ أن بدأت العمل مع اللاجئين والمهاجرين وأنا مصدوم من السرعة التي ينتقل فيها الناس عبر المراكز كالمركز الموجود في بريسيفو. ولذا فإن إشراك الأطفال والأسر وتوفير الإرشاد المعمق لهم يمثل تحديا كبيرا.

يتحمل الأطفال، ومع وصول فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، ظروفا في غاية الصعوبة، منها احتمال الموت في البحر أو البر، أو الإصابة بالأمراض بسبب انخفاض درجة حرارة الجسم أو الالتهاب الرئوي.

لكل طفل من الأطفال المرتحلين قصة يرويها. فرح هي واحدة من الأطفال المحظوظين، فهي تستطيع ان تضحك وتنشر الحب من حولها. فشخصيتها القوية ستساعدها على تحقيق الكثير في حياتها، وأنا أتأمل أن ينتهي بها المطاف في مكان تمكنها فيها روحها المحاربة من أن تحيا الحياة التي تستحقها، لأن هذا هو ما ترغب به.

ولكن خلال اليوم الذي قضيته في بريسيفو، التقيت ببعض الأطفال الأقل حظا. فبعضهم كان يحدق في الفراغ غير قادر على التواصل مع الأطفال الآخرين أو الأخصائيين الاجتماعيين. وبعضهم لم يتوقف عن البكاء ورفضوا أن يأكلوا أو يشربوا أي شيء. وبعضهم بدت عليه نزعة للعنف، مما يساعدك على تخيل ما شهدوه خلال فترة حياتهم القصيرة.

ومن أجل توفير مكان آمن يلعب فيه الأطفال ويستريحون ويحصلون على بعض الدفئ، تدير اليونيسف مساحتين صديقتين للطفل في صربيا تعملان على مدار الساعة طوال الأسبوع – في ست مناطق. ونحن نعمل على تجهيز هذه المراكز بالأرضيات والمدافئ، ونوزع بطانيات ومعاطفا وأحذية الشتاء وجواربا للأطفال. ونحن جميعنا نتحمل مسئولية حماية أطفال كفرح بغض النظر عن المكان الذين أتوا منه أو وضعهم كمهاجرين

*منذ ذلك اليوم في بريسيفو، علمت أن فرح وأسرتها وصلوا بأمان إلى ألمانيا.

كلاوديا ليوتي هي خبيرة الإعلام الإقليمية في حالات الطوارئ في مكتب اليونيسف الإقليمي لمنطقة أوروبا الوسطى والشرقية ورابطة الدول المستقلة، تعمل حاليا في سكوبيي، في جمهورية مقدونيا اليوغسلافية سابقا.

 

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".