عمالة الأطفال والزواج المبكر: الكبر بسرعة في السن في مالي

 

تقول سيرا كانوتي، البالغة من العمر 16 عاماً، “أنا معتادة على المصاعب” بينما هي تحني جسدها فوق نهر موحل مع طفلتها الرضيعة المربوطة إلى ظهرها غارفةً بعض القاذورات التي تنخلها بحرص في دبائها المصنوع من قرع شجرة الكالاباش.

تزوجت سيرا عندما كانت في الرابعة عشر من عمرها فقطـ، وحملت مباشرة من زوجها الذي كان في سن السادسة والثلاثين. لقد كانت فترة الحمل صعبة عليها، وبعد شهر من الحمل اكتشفت أن زوجها قد تركها. أخبرها والد زوجها (يدعى أوسمانيه ويبلغ 65 عاماً) أن زوجها قد ذهب إلى غينيا الاستوائية للعمل، ولكن زوجها لم يتواصل معها منذ ذلك الحين.

أكملت سيرا حملها، وسمت طفلتها دابي، وهو أسم أحد الطيور التي توجد في تلك المناطق. الطفلة مريضة، كما تخبرني. في صباح يوم محرقٍ في شهر أيار / مايو في منطقة كايس غرب مالي، أستطيع رؤية قطرات عرق متلألئة على جبهة الطفلة الرضيعة وهي تغفو على نحو متقطع بينما تعمل أمها.

في قرية كوسايا، لا تعتبر قصة سيرا نادرة الحدوث. فوفقاً للجنة إدارة المدارس الابتدائية فكل البنات إما يتزوجن أو تتم خطبتهنّ لرجل قبل أن يبلغوا سن 18. وتقريباً، لا تكمل أي طفلةٍ تتزوج تعليمها.

ينقطع الصبيان عن المدرسة أيضاً، ولكن الفقر والأدوار التقليدية المنوطة بالجنسين تصعّب إقناع الآباء إرسال بناتهم للمدرسة وإبقائهن فيها. يعني تزويج الفتيات أن أهلهنّ لن يضطروا لإطعامهنّ وأنهم سيتلقون المهر الذي يكون عادة مواشي (وهي تعد ممتلكاتٍ قيمة).

إنّ الطفل الوحيد الذي لازال في المدرسة ضمن الأطفال الأربعة في عائلة سيرا هو أخوها، وأما الثلاثة الباقون فكلهن بنات وهن إما متزوجات أو عاملات.

عندما تصل سيرا مع طفلتها دابي في الساعة العاشرة تقريباً إلى حقل التنقيب عن الذهب يكون يوم عملها قد بدأ بالفعل قبل ذلك. في الصباح تستيقظ في العادة قبل بزوغ الشمس. وبعد أن تستحم، تكنس المنزل وساحته وتقوم بإعداد الإفطار لأهل زوجها. ولا تستطيع الذهاب لكسب المال قبل أن يتم ذلك. لدى الفتيات اللواتي تعمل معهنّ قصص مماثلة، فهنّ متزوجاتٌ برجالٍ يكبرونهنّ بعشرين سنةً كانت عائلاتهنّ قد اختارتهم لهنّ.

امرأة توقد نارا وسط مجمع كبير
UNICEF Eliane Luthi تقوم سيرا بالأعمال المنزلية الصباحية قبل التوجه للعمل في حقل ذهب قريب.

تتندم سيرا على تركها للمدرسة. “أنا أحب المدرسة”، تقول سيرا بأسى. “المدرسة جيدة”. لقد كانت تحلم بأن تصبح مختصةً صحيةً تعمل في مجتمعها المحلي، إذ يقع أقرب مركز صحيٍّ في القرية المجاورة، وخلال الموسم الماطر عندما تغمر المياه الطرقات تنعدم سبل الذهاب إلى هناك وتضطر الأسر إلى الاعتماد على الأعشاب والطب التقليدي.

سألت سيرا إذا ما كانت تجد حياتها صعبة، ولكنها لم تجب، فظروفها نفس ظروف الشابات في هذه الأماكن. إنها تجد الحراثة صعبة وبعض الأحمال التي تقوم بحملها ثقيلةٌ للغاية.

“إن الزواج المبكر مشكلة حقيقة”، يقول سالف كيبه مدير مدرسة كوسايا للتعليم الأساسي. يتم تقديم البنات للزواج في سن مبكرةٍ جداً، أحياناً في الصف الثاني أو الثالث ولذلك أزور الأسر وأخبرهم أنه ينبغي على البنات أن يدرسن وأحاول إقناعهم بترك البنات يكملن تعليمهنّ حتى نهاية المرحلة الثانوية.

يواجه الناس الذين يحاولون تشجيع تعليم البنات مثل سالف مهمةً جسيمة إذ أنّ نسبةً هائلة تصل إلى 49 بالمئة من فتيات مالي يتزوجن قبل سن 18. وغالباً ما يعني ذلك ترك المدرسة وتكمل 12 بالمئة من الفتيات فقط التعليم الابتدائي. وقد يؤدي الزواج المبكر إلى عمالة الأطفال والحمل المبكر وتخضع الأغلبية الساحقة من البنات – 89 بالمئة – أيضاً لتشويه أعضائهنّ التناسلية مما يجعل حملهنّ أكثر صعوبةً.

امرأة تحمل طفلة بين ذراعيها
UNICEF Eliane Luthi سيرا وهي تحمل طفلتها الرضيعة دابي. تزوجت في سن الرابع عشر وغادر زوجها مالي بحثاً عن العمل.

يتمنى والد سيرا أن توجد مدرسةٌ ثانويةٌ في القرية. فلو كانت هناك مدرسةٌ ثانويةٌ ربما اختلف مصير سيرا، ولكن أقرب مدرسة ثانوية توجد في البلدة المجاورة.

لا تعرف سيرا الكثير عن زوجها لأنه تركها في وقت باكر جداً، وهي ليست متأكدة إذا كانت تريده أن يرجع أم لا. إلّا أنه في السنة الماضية أرسل بعض المال، مما جعل والده أوسمانيه المصاب بالعمى مفعماً بالسعادة. لقد بنى ابن أوسمانيه الآخر بيتاً كبيراً. وفي قريةٍ يعيش الكل فيها في أكواخ دائرية وبسيطة ذات أسقفٍ مصنوعةٍ من القش يعتبر البيت الطويل ذو الجدران الصلبة والسقف المصنوع من الصفيح موضع حسد الجيران. عندما انتهى بناء المنزل، قام أبناء أوسمانيه بإدخاله إليه حيث قام بتلمس الجدران. تعيش سيرا الآن في البيت الجديد مع دابي وأهل زوجها.

بالرغم من ذلك، فالعيش في أفضل بيوت القرية عزاء بسيط إزاء الواقع القاسي الذي تواجهه سيرا.

بفضل دعم دولة النرويج، توزع منظمة الأمم المتحدة للطفولة في كايس أكثر من 14,000 من أطقم اللوازم المدرسية للأطفال الذين هم في خطر التسرب من المدارس. فقد يكون امتلاك دفاتر وأقلام العامل الحاسم لدى الأهل لتقرير إرسال أولادهم إلى المدرسة أم لا. ونحن ننشئ الآن 60 مركزاً في المنطقة مجهزةً بطاولات ومقاعد دراسية لمساعدة أطفال مثل سيرا للعودة إلى المدرسة. ويحضّرهم المنهج الدراسيّ التخصصيّ الممتد لتسعة أشهر للتعليم الرسمي في العام القادم.

ولكن هناك حاجة للمزيد من الدعم والموارد، وتفرض علينا مسؤوليتنا الجمعية أن نضمن أن يعيش الأطفال مثل سيرا طفولةً حقيقيةً يقضونها في المدرسة وليس أن تعيش كأمٍ في السادسة عشرة عاملة في التنقيب عن الذهب.

إيليانه لوثي هي رئيسة شؤون الاتصال في منظمة الأمم المتحدة للطفولة في مالي.

 

 

 

 

 

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".