«صالون شريفة»

تستقبلك بعينيها الواسعتين الخضراوين ووجهها المبتسم المزيّن بالحياء أكثر منه بالتبرّج.

شريفة، 17 عاماً، لجأت وعائلتها إلى لبنان منذ 3 سنوات ونيف هرباً من الحرب في منطقتها «القامشلي» في سوريا حيث كانت تعيش حياةً هانئة متابعةً تحصيلها العلمي. «لحظة وصولنا الى لبنان حاولت الإلتحاق بإحدى المدارس اللبنانية» تقول شريفة «ولكنّ إختلاف المنهاج التعليمي بين لبنان وسوريا وصعوبة تعلّم اللغات كان عائقاً أمامي للّحاق بزملائي ومسبباً أساسي في تركي المدرسة وملازمة المنزل». تتابع وملامح الحزن والخيبة تعلو وجهها «بدأ الملل يتآكلني وأنا في المنزل وحدي لا أخت لي ولا أصدقاء» تتباطء الكلمات وتجول بعنَيها الجميلتين في الفراغ لوهنةٍ ثمّ تنتفضُ ضدّ ماضٍ لا تريد العودة إليه وتضيف بشغفٍ وحزمٍ «الآن كلُّ شيءٍ تغيّر!».

في يوم من الأيّام، زارت «الجمعية اللبنانية للدراسات والتدريب» عائلة شريفة وقدّمت لمحة عامة عن عمل الجمعية والدورات التدريبية والتأهيلية التي تقدّمها بدعم  من اليونيسف وبتمويل من الحكومة الألمانية،  تطايرت شريفة من الفرح وإختارت الالتحاق بدورة فنّ التجميل «لم أتردد ولو لبرهة في إختيار دورة المكياج، فمنذ نعومة أظافري وأنا أميل إلى هذا الفنّ بحيث كنت أحيانا أسرق مستحضرات والدتي وأقوم بتزيين أوجه رفيقاتي الصغيرات» تقول شريفة ضاحكةً ويضحك جميع من في الغرفة.

 

فتاة تقدم خدمات ماكياج
رمزي حيدر، دار المصوّرشريفة تقدم خدمات ماكياج للنساء في محيطها.

مدّة دورة المكياج 4 أشهر استطاعت شريفة من خلالها تعلّم أصول فنّ التجميل وهي حالياً تسقبل الزبائن منذ أكثر من 3 أشهر في غرفةٍ متواضعةٍ في منزلها أو تذهب هي شخصياً إلى منازل زبائنها إذا دعت الحاجة، «لقد نصحتني صديقة لي بأن آتي إلى شريفة للتبرّج وأصبحتُ الآن من زبائنها الأوفياء، فأنا أحبّ جداً طريقة عملها» تقول إنتصار وهي فتاة كانت حاضرة في منزل شريفة مع إثنتين أخرتين أتين للتبرج لمناسبة عرس أحد أقاربهنّ.

إنّ أغلبية زبائن شريفة يأتين من المخيمات السورية وتتراوح أعمارهنّ بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة وهي تأمل أن يزيع صيت عملها الى عدد أكبر من الزبائن والفئات العمرية. «أشعر أننّي حققت شيئاً في الحياة!»  تقول شريفة، وتشرح كيف تقسّم مدخولها بين مساعدة الأهل في مصاريف المنزل والإيجار من جهةٍ وبين شراء مستلزماتها من أدوات التجميل والأشياء الأخرى الخاصّة من جهةٍ أخرى. الى جانب أن المعهد أمّن لها إستقلالية مادية ومعنوية، فقد ساعدها أيضاً على الخروج من عزلتها وإحاطتها بالأصدقاء، «أصبح لدي العديد من الأصدقاء والمعارف بفضل المعهد، صرت أخرج من المنزل لزيارتهم و الإستمتاع بوقتي معهم» تقول شريفة وصوتها يرقص حماساً وقد دأبت في أكثر من مرّة التركيز على أهمّية هذا الأمر بالنسبة لها.

تجول عيناها مجددّاً، هذه المرّة ليس بفراغٍ وإنّما بحلمٍ يأخذها الى سوريا، تسير في أزقّة قريتها تحيّي المارّة وتتّجه الى صالون للتجميل يحمل فوق عتبة بابه لوحةً كتب عليها “صالون شريفة” هو «صالون صغير على حجم قدرتي» كما تقول، وتتابع الحلم… فنغادر حفاة الأقدام خاشين إيقاظ الأحلام الواعدة.

 مايا عتّيق، مساعدة قسم الاعلام والاتّصال، يونيسف لبنان

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".