سرير «صفاء» الوردي: رحلة فتاة لاجئة إلى كندا

بدأَتْ قصتي مع صفاء في عام 2014 في مخيم الزعتري للاجئين. وقد عمِلتُ في المخيم منذ افتتاحه في عام 2012. وفي تلك الأيام، كان آلاف اللاجئين يتوافدون يومياً، وغالباً في أوضاع صعبة إذ يفرّون سيراً على الأقدام عبر الحدود.

عندما التقيتُ بصفاء، كان عمرها ست سنوات وكانت تتعلم في مدرسة ترعاها اليونيسف تُقام داخل خيمة. وكانت ساقها اليمنى مبتورة من جراء قصف دمر منزلها في سوريا. وبالكاد تمكنَتْ الأسرة من النجاة من قصف منزلها في حلب، وتوجّهتْ إلى دمشق، بيد أنها تعرضت لقصف آخر هناك. وتوسّل والد صفاء للأطباء أن يعالجوا ساق ابنته، لكنهم أصروا على وجوب بتر الساق. وشعر والدها بأن ما من خيار أمامه سوى الفرار إلى الأردن للمحافظة على سلامة أسرته. وقد حملَ صفاء بين ذراعيه عندما عبرتْ الأسرة الحدود.

طفلة تكتب في فصل دراسي
UNICEF/Christopher Herwigصفاء، في العاشرة من عمرها، في مدرسة في مخيم الأزرق للاجئين. “هربنا أنا وعائلتي من الحرب”. قالت صفاء.

وللأسف، كنتُ قد اعتدتُ في ذلك الوقت سماع العديد من القصص الفظيعة عن الحرب في سوريا. ورغم ذلك، تأثرتُ كثيراً بقصة صفاء لأنها صغيرة وبريئة. وكان العنف الذي تعرّضَتْ له صادماً.

وقد أعرب معظم أفراد الأسر السورية اللاجئة الذين قابلتهم عن الشيء نفسه — فقد غادروا بيوتهم لإنقاذ أرواح أطفالهم. ولولا ذلك لما غادروا منازلهم.

ليس ثمة خطر على أرواح الأطفال في مخيم الزعتري للاجئين. ومع ذلك، لم تكن الحياة سهلة في المخيم في ذلك الوقت، فقد كان المخيم مزدحماً جداً — وبلغ ذروة ازدحامه عندما وصل عدد قاطنيه 128,000 شخص في خمسة كيلومترات مربعة. وكانت ظروف المعيشة سيئة والأسر تعيش في خيام. وكانت أيام الصيف القائظة المصحوبة بالغبار تفوق تقريباً طاقة الناس على الاحتمال.

كانت صفاء واحدة من أطفال عديدين يكافحون بسبب صعوبة الحياة في المخيم. وبما أنها لا تتمكن المشي، كان يتعين دفعها على كرسي متحرك، مما جعلها تعتمد على أفراد أسرتها لاصطحابها إلى المدرسة أو إلى المركز الصحي. وبدعم من أسرتها، التحقت بمدرسة وترددت على مكان آمن للأطفال تدعمهما اليونيسف. وشكّل ذلك ضوءاً ساطعاً وسط الأوقات الصعبة. وبفضل اليونيسف استمر وجود الأمل لهؤلاء الأطفال الذين واجهوا معاناة كبيرة.

فتاة صغيرة يتم دفعها على كرسي متحرك من قبل رجل وفتاة.
UNICEF/Shehzad Nooraniصفاء، في عام 2013 عندما كانت في الخامسة من عمرها، مع والدها وأختها الكبرى في مخيم الزعتري للاجئين.

لكنني لاحظت أن صفاء كانت مختلفة. ولم تكن تتمتع باللعب مع أشقائها. وقد أدت إعاقتها إلى استثنائها من الألعاب التي تتطلب تفاعلاً بدنياً. ولم تكن تُحب أن تُلتَقط صورتها. أما الشيء الوحيد الذي كانت ترضى القيام به فهو السماح لها باستخدام الكاميرا والتقاط الصور. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي تدفعها للابتسام والضحك. وكان من الواضح أنها تعاني من ندوب عاطفية عديدة، ولكنها كانت تتمتع بعزيمة لا تُقهر وثقة بالنفس ظلت تزداد قوة مع اعتيادها على حياة المخيم والمدرسة.

وعلى امتداد تلك الفترة حظيَتْ صفاء بحب والدها أيضاً الذي داوم على دعمها. وكان غالباً هو الشخص الوحيد القادر على دفعها للابتسام.

أخذَتْ صفاء تستقل أكثر فأكثر بفضل البرامج العديدة التي تُقدمها اليونيسف ومنظمات أخرى للأطفال ذوي الإعاقات. وكانت الخطوة الأولى هي استخدام العكازات، ولكنها تطلّبت الكثير من التدريب، وبعد ذلك مُنحت صفاء ساقاً صناعية للمرة الأولى.

وكان دفع صفاء لاستخدام الساق الصناعية أمراً صعباً، وكان يتعين على والدها أن يشجعها طوال كل جلسة. ولم أشعر أنها تستحق اللوم على ذلك، فمعظم أصدقائها كانوا يعلبون في الخارج. وهذه التجربة هي عبء كبير على فتاة عمرها ست سنوات.

مرت أربع سنوات حتى رأيتُ صفاء مرة أخرى، فقد غادرَتْ الأسرة المخيم وسعت للعيش في المدينة، ولكن انتهى بها المطاف في مخيم الأزرق للاجئين، الذي تم تأسيسه لتخفيف الازدحام في مخيم الزعتري.

لم تميّزني صفاء عندما التقيتُ بها في المرة الثانية. وكي تتعرف عليّ، كان عليّ أن أريها صورة أظهرُ فيها وأنا أحملها. وكان بوسعي أن أرى أنها لا تزال تعاني من توتر نفسي. ولم تكن تثق بعدد كبير من الناس، وكانت انعزالية، وكان والداها قد انفصلا بسبب الضغوط الكبيرة التي تعرضا لها. ولحسن الطالع، كانت صفاء لا تزال ملتحقة بالمدرسة ولكنها كانت تعاني من إصابتها أيضاً. فالساق الصناعية لم تعد ملائمة لها بعد نمو جسدها. وكانت تشعر بمشقة كبيرة حتى عند المشي لمسافة قصيرة.

 

ولم تكن راغبة بالحديث إلا عندما قلت لها: “تخيلي أنني جنّي!” فقد أثار ذلك اهتمامها. وقلت: تخيلي أن بوسعي أن أحقق لك ثلاث أمنيات، فما هي هذه الأمنيات؟ وقالت إنها تتمنى أن يكون لها سريرها الخاص، وأنها ترغب بالحصول على ساق صناعية جديدة — تناسب مقاسها، وأنها تتمنى أن تعيش في كندا. وعندما سألتها لماذا كندا، أخبرتني أن عمتها التي تتحدث معها باستمرار تعيش هناك وأن كندا هي مكان جميل.

وعندما أخبرتُ زملائي في المخيم، لم يكتفوا بإحالتها للرعاية الصحية للحصول على ساق صناعية، بل شرع المتطوعون الشباب بصنع سرير حقيقي لصفاء في ورشة المخيم، وطلوا إطار السرير باللون الوردي، وهو اللون المفضل لصفاء. وقد شغفت صفاء بسريرها الجديد؛ ولم أشاهدها أبداً تبتسم بقدر ما ابتسمت يوم أوصلنا السرير إليها.

وبعد مدة وجيزة، زرت الأسرة وسمعتُ الأخبار الطيبة، فقد تحققتْ أمنية صفاء — إذ قُبلت أسرتها ببرنامج الكفالة وستتوجه قريباً إلى منزلها الجديد في كندا، حيث سيلتئم شمل الأسرة مع العمة الحبيبة. وكان يوم مغادرتهم عمان يوماً حافلاً بالعواطف، وكانت صفاء مليئة بالحماس. وكنت آمل من كل قلبي بأن كندا ستوفر لها فرصة باستعادة طفولتها الطبيعية.

فتاة ترتدي معطف أزرق تنظر إلى الجانب.
UNICEF/Christopher Herwigصفاء في مخيم الأزرق مع عائلتها. أمضت صفاء السنوات الأولى من حياتها في حلب، ثم أمضت سنوات تتنقل من مكان إلى آخر بعيدا عن الحرب.

وأثناء إجراءات ملازمة المنازل بسبب كوفيد-19، أتيحت لي فرصة للاتصال بصفاء عبر الفيديو. ولاحظتُ فوراً التغيير في تعبيرات وجهها، فقد بدت سعيدة جداً ومرتاحة — ولأول مرة أراها تتخلص من الخجل. لم تمتنع صفاء عن التعبير عن أفكارها وكانت تتحدث بسرور. وأنا أشعر بامتنان كبير لأنها تتمتع بمنزلها الجديد وطريقة عيشها في كندا حسبما تمنّت. كما أنني فخور بأنه رغم صعوبة النشأة في المخيم إلا أن المدارس والأماكن التي أقامتها اليونيسف وشركاؤها أتاحت للأطفال نوعاً من حس العادية والمرح. وهذا يعني أنه ما زال بوسع الأطفال أن يطمحوا طموحات كبيرة وأن يحققوا أحلامهم. وحتى يتمتع جميع الأطفال بحقوقهم — بما في ذلك، وخصوصاً، الحق في التمتع بطفولتهم — لن ينتهي عملنا هنا في الأردن.

وعندما سألتُ صفاء ما إذا كان لديها أمنيات جديدة، قالت إنها تتمنى أن تنتهي أزمة كوفيد‑19 وأن تتاح لها فرصة العودة إلى المدرسة. وقد سررتُ بسماع ذلك لأن هذه الأمنية هي أمنية الأطفال في جميع أنحاء العالم. وآمل أن أرى أمنية صفاء تتحقق قريباً، وأشعرُ أنها ستتحقق كما تحققت جميع أمنياتها الأخرى.

يعمل «عبد المجيد النعيمي» في اليونيسف في الأردن في فريق الاتصال.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".