حياة تختلف كلياً: متعة تشوبها الغصّة في عيد الميلاد

إنّ موسم الأعياد خليط متنوّع من الأفكار والعواطف والتأملات، ولا سيّما لمن تعمل خارج الوطن.

كان عام 2017 حافلاً بالصعوبات في العراق. إذ وَسَمَ فرار مئات الآلاف من السكّان من النزاعات المسلّحة نصفه الأول. بينما أجّج عدم الاستقرار السياسي وتبعاتهُ الاضطرابَ في النصف الثاني.

بالنسبة إلى عاملةٍ تتبع لمنظمة إنسانية دولية، فإن العمل في الميدان ناقوسٌ يذكّرها على الدوام بما تحظى به من امتيازات. إننا “نذهب في مهامّ ميدانية”. قد يعني ذلك الذهاب إلى مدرسة، أو زيارة مخيّمٍ، أو الاتجاه إلى مكانٍ آخر يمارس الناس فيه أنشطتهم اليومية. وما هو “ميدان” بالنسبة إلينا واقعٌ يومي يعيشه الإنسان النازح. ولكنّي في نهاية المطاف أصعد سيارةً مصفّحةً وأبتعد عائدةً أدراجي إلى حياة اغترابي المريحة.

يمتدّ هذا الشعور بالامتيازات إلى أيام العطلات. فقد شهدت مؤخراً العدّ العكسيّ لعيد الميلاد، ولم تفارق مخيّلتي منذ ذلك الحين أحلام الوطن — العائلة والطعام والنكات والدفء والزينة الجميلة والهدايا. لقد مضى عامٌ مذ زرت المنزل آخر مرّة، وقد انتابني شوقٌ شديدٌ لذلك الصّفاء الذي يسكن أركانه.

إنّ واقع العطلة بالنسبة إليّ يختلف كلياً عن واقع الحياة في العراق. فهي تنأى بي عن قصص أناس يُقتلون، وعن عنفٍ لا يتخيّله عقل، ناهيك عن ألم الفراق والمعاناة. إنّها تبعدني عن أطفال لن يُكتب لهم الاحتفال بعطلةٍ أخرى مع والديهم، أو عن آباء رهنوا آخر ما يملكون من مقتنياتٍ، بل وشيئاً من كرامتهم، ليقدّموا هديةً بسيطةً إلى أطفالهم في هذا اليوم المميّز. إن واقعي في العطلة بعيدٌ آلاف الأميال عن الجلوس على أرضية خيمةٍ متهاوية لأستمع إلى قصة أخرى من قصص حياةٍ قوّضتها المصائب وأحلامٍ طحنتها رحى الحرب.

مجموعة من الفتيات يجلسن على الأرض في مخيم
UNICEF/Iraq/2017/Anmarتضطلع اليونيسف بمجموعة من الأنشطة في موقع الطوارئ بمطار القيارة ومخيمات جدة جنوب الموصل. لقد نزح المقيمون في هذه المخيّمات من مختلف مناطق شمال العراق منذ عام 2016.

يبدو دائماً من القسوة ترقّب وقت الابتعاد. فأولئك المساكين في المخيّمات لا يحظون بفرصة قضاء إجازة. بل إنّهم يفتقدون الوسيلة أو جواز السفر الوطني الذي يخوّلهم مجرّد صعود طائرةٍ تذهب بهم إلى أيّ مكانٍ سوى العراق.

من أصعب اللحظات التي عشتها هذا العام زيارة إحدى منشآت اليونيسف المخصصة للأطفال الذين انفصلوا عن أسرهم، أو الذين يحتمل أنهم أصبحوا أيتاماً. رأيت هناك طفلةً صغيرةً يُعتقد أن والديها — وهما مقاتلان أجنبيان لدى داعش — قد قُتلا. كانت الطفلة تنادي أمّها. وطوال الساعة التي قضيناها في المركز، لم تتوقّف صرخاتها الحزينة. “ماماااا. ماماااااااا! مامااااااااااا!!!!” كانت صرخاتها تتتابع وتتتابع. ولكن لم يكن أحد في المركز يتحدّث الروسية كي يسعفها بأي ضربٍ من ضروب المواساة. وما كان بوسع مقدّمي الرعاية سوى احتضانها والتحدّث إليها بكلماتٍ عربية.

لقد مضت أشهر، وما زال منظر تلك الصغيرة وصوتها لا يفارقان مخيّلتي. لكم هو صعبٌ أن يوصد المرء الباب أمام قافلة الذكريات، وينعم بالمنزل الوثير ناسياً كل شيء، كما كنت أفعل فيما مضى. العراق بلدٌ غارقٌ بالحاجات الماسّة.

أتذكّر حين هبطت بي الطائرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأخذت أمشي بين صالات المطار التي اكتست بأبهى حلّةٍ بمناسبة الأعياد — كنت أرى أناساً يرتدون الفاخر من الثياب وبحوزتهم حقائب منتفخة بما تحويه من هدايا؛ كانت الموسيقى تملأ المكان، وكان الطعام وافراً، وكانت ضحكات الناس تتعالى لتبلغ عنان السماء. لقد كان المشهد أشبه بصفعةٍ ثقافية. لم أدرِ إلى أين يجب أن ألتفت بناظريّ، أو فيما يجب أن أفكّر. لم أعلم بما كان عليّ أن أحسّ، بيد أن المشاعر انهالت عليّ بشدّة وسرعة.

كنت مسرورةً، ومتأثّرةً، وغارقةً في الخزي والعار، ومنفعلةً، ومشمئزّةً، وخجلةً، ومذهولة. لقد كنت في غاية السعادة لعودتي إلى المنزل، ولكنّ غضبي كان في أوجه أيضاً لأنّ أناساً لديهم كل هذه النعم لا يهتمون إلا أقل القليل بأولئك البشر الذين غادرتهم للتو.

ليس من حقّي أن أغضب من أشخاص لم يسبق لهم أن سافروا إلى العراق ليشهدوا بأمّ أعينهم آثار الحرب اللعينة. ولكن ما يزعجني هو أنّ الكثير من الناس لا يشاركون بفعاليةٍ في حلّ المشكلة. وإنّي لأدرك أنّها مهمّة جسيمة، فهناك عدد هائل من الحالات الطارئة التي تستدعي عنايةً عالميةً يبدو أنّها خارج حدود المأمول.

صورة قريبة لفتيات
UNICEF/Iraq/2017/Anmarفي مخيّمات جنوب الموصل، تدعم اليونيسف الأنشطة الخاصة بالمياه والإصحاح والنظافة الصحية، بما في ذلك توفير مرافق المياه والصرف الصحي، فضلاً عن أنشطة التوعية بالنظافة الصحيّة.

هناك وسط زحام الأرقام والإحصائيات بشر — أطفال — كتلك الطفلة الصغيرة التي تحتاج إلى والدتها. فكيف لفردٍ واحدٍ أن يصنع فارقاً؟ وفي عام 2018، كيف بوسع شخصٍ واحدٍ مساعدتها ومساعدة أكثر من خمسة ملايين طفلٍ في العراق هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة الإنسانية؟

لا بدّ من بذل قدرٍ هائلٍ من الجهد. إنّنا الآن في طور الانتقال من مواجهة حالات الطوارئ الشاملة إلى عملٍ طويل الأجل على الصّمود وإعادة الإعمار والتنمية. وليست المياه النظيفة والتوعية الصحية والتعليم والدعم النفساني الاجتماعي واللقاحات والرعاية الصحية سوى جزءٍ من الخدمات التي تقدّمها اليونيسف في طول البلاد وعرضها.

هناك عدد من الطرق التي يمكنك من خلالها المشاركة:

  • تبرّع إلى اليونيسف أو إلى منظمةٍ أخرى. لقد قيل ذلك مراراً وتكراراً، بيد أنّ التبرّعات القليلة تجتمع لتصنع فارقاً كبيراً.
  • ارفع مستوى الوعي: يبدأ ذلك بتوعية الأفراد. اقرأ الأخبار لو سمحت! ثم انشرها في أوساط الناس.
  • تحدّث إلى ممثليك السياسيين. التمويل أمر بالغ الأهمية، ولكنّ كثيراً من الحكومات تعكف على خفض ميزانياتها المخصصة للمساعدات الخارجية. وليست بيدنا عصاً سحرية لنأتي من العدم بالمساعدة اللازمة لإنقاذ الحياة. اقرأ عن بعض أنشطتنا لتحصل على فكرة عمّا يمكن أن يحقّقه التمويل.
  • تابعنا على وسائل التواصل الاجتماعي وشارك منشوراتنا — يساعد ذلك في التوعية؛ ويمكنك العثور علينا على فيسبوك وتويتر وانستقرام ويوتيوب.

لقد سعيت في موسم الأعياد هذا إلى إيجاد نوعٍ من التوازن بين إمتاع نفسي وبين التركيز مجدداً على الطريقة المثلى التي بوسعي من خلالها خدمة الأشخاص الذين أعمل لصالحهم أو معهم. هل يعني ذلك التخلّي عن الأسرة وعن كلّ مسرّات المنزل للعمل دون انقطاعٍ لما فيه مصلحة الآخرين؟ بالتأكيد لا. فذلك لن يعود بالنفع على أحد.

لقد ساعدتني إحاطة أفراد أسرتي بي ورؤيتهم وسماع أصواتهم حينما احتفلنا معاً، فضلاً عن ذلك السرور الذي غمرني لمجرّد وجودنا برفقة بعضنا البعض، على التأهّب لما ينتظرني من عمل. ولكن كان عليّ أن أطلب الصّفح من أسرتي بسبب التزامي الصّمت أمام مائدة الديك الرومي المحشو. لقد كانت سنةً عصيبة، ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله.

إن جنيفر سباركس استشارية اتصالاتٍ تعمل لدى اليونيسف في العراق. 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".