جهود القضاء على شلل الأطفال تعبر خط النهاية في أفغانستان

99.9 في المئة

نكاد نحقق الهدف! ويمكننا أن نرى خط النهاية — إنه الهدف الذي نسعى إليه منذ وقت طويل — عالم لا مكان فيه لشلل الأطفال. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان هناك انخفاض بنسبة 99.9٪ في حالات الإصابة بفيروس شلل الأطفال البري في جميع أنحاء العالم. فكيف تم ذلك؟ تم بحشد العالم لقواه. فمن الآباء إلى الحكومات ومن قادة المجتمع المحلي إلى الأمم المتحدة، عملنا معا لوضع حد لهذا المرض المعيق والمعدي للغاية. غير أنه رغم الاستثمار العالمي الضخم، إلا أننا في عام 2019 لا نزال لم نعبر خط النهاية في استئصال شأفة شلل الأطفال.

إذن، ما الذي يحدث؟ كنا نعرف أن الشطر الأخير لن يكون مسارا سهلا، ولكن هل يفترض فيه أن يكون بهذه الدرجة من الصعوبة؟ للإجابة على هذه الأسئلة، حري بنا أن نعود إلى الإنجازات التي تحققت حتى الآن وأن نفهم التحديات التي نواجهها اليوم.

الانجازات في أفغانستان

أفغانستان بلد من البلدان الثلاثة التي يتفشى فيها شلل الأطفال في العالم، إلى جانب باكستان ونيجيريا. ففي عام 2018، كانت هناك 21 حالة من حالات فيروس شلل الأطفال البرية في أفغانستان، مما يجعلها البلد الذي سجل فيه أكبر عدد من الحالات في العام الماضي، بينما تم الإبلاغ عن 12 حالة في باكستان ولم تسجل أي حالة في نيجيريا. ويجدر بالملاحظة أن هذه الحالات اقتصرت في أغلبها على مناطق صغيرة في المناطق الجنوبية والشرقية من البلد. بل إن 96 ٪ من البلد لم تسجل فيه أي حالة لشلل الأطفال وكان الفيروس محدوداً جغرافياً. وفي هذا الصدد، حققت أفغانستان إنجازا مذهلا على مدى العقد الماضي.

طفلة تتلقى لقاح شلل الأطفال في فمها
© UNICEF/Afghanistan/2017/Huylebroek«حسيبة» البالغة من العمر خمس سنوات تتلقى لقاح شلل الأطفال خارج بيت أسرتها في ‹آغا سايبا›، وهي قرية في منطقة كاروخ في حيرات، في 25 أيلول/سبتمبر.

ولم يكن هذا التقدم ممكنا لولا الالتزام السياسي والدعم المستمر لمانحِين رئيسيين منهم حكومة اليابان والجهود الطويلة الأجل التي بذلتها المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال، وهي أكبر شراكة للصحة بين القطاعين العام والخاص في العالم تجمع منظمة الصحة العالمية، والمركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الروتاري الدولية، ومؤسسة ‹بيل وميليندا غيتس›، ومنظمة اليونيسف.

وقال الدكتور «يوجي ماتسوموتو» منسق حملة أنهوا شلل الأطفال الآن التي تنظمها منظمة الروتاري الدولية في اليابان: “إننا نريد أن يكون هذا العالم خالياً من شلل الأطفال. وما فتئ أعضاء منظمة الروتاري يعملون بلا كلل من أجل القضاء على شلل الأطفال. ونقوم بأنشطة الدعوة لحكومة اليابان بالشراكة مع منظمة اليونيسف في طوكيو والمنظمات غير الحكومية اليابانية، وينظم الكثير منا مناسبات للتوعية بشأن استئصال شلل الأطفال في مجتمعاتنا المحلية”. وتقوم بالتوعية منظمة الروتاري الدولية، باعتبارها من الشركاء الرائدين في الحملة العالمية للقضاء على شلل الأطفال، وتجري حملات لجمع التبرعات، وتحث البلدان المانحة على دعم الجهود الرامية إلى القضاء على شلل الأطفال. وتحقيقا لهذه الغاية، جمع أعضاء منظمة الروتاري الدولية في اليابان وحدها ما يزيد على 3.4 ملايين دولار من دولارات الولايات المتحدة في عام 2018. ويستدرك الدكتور «ماتسوموتو» قائلا:

بدأ القلق يساور البعض بشأن ما إذا كان القضاء على شلل الأطفال يتم بالفعل. ويسألونني لماذا استغرق القضاء عليه وقتا طويلا.

الشطر الأخير والأشد صعوبة

قال «لورانس شابيراند»، كبير أخصائيي التحصين، باليونيسف في أفغانستان “لقد وسعنا نطاق تغطية التحصين في أفغانستان توسيعا هائلا. وترصد اليونيسف التقدم المحرز في كل مكان بالبلد لضمان جودة حملات التحصين التي نقوم بها. غير أن ثمة، في المناطق الجنوبية والشرقية، عدة عوامل تعيق أنشطة التلقيح ضد شلل الأطفال في مختلف المجتمعات المحلية”.

طفلة أفغانية تظهر أصبعها، وهو ملطخ بالحبر
© WHO/Afghanistan/R.Akbarطفلة أفغانية تظهر أصبعها، وهو ملطخ بالحبر، كعلامة على أنها تلقت لقاح شلل الأطفال أثناء حملة تلقيح في مزار، بأفغانستان.

ومن الأسباب المعيقة تلك الأعراف الاجتماعية العتيقة التي تجعل الآباء يرفضون تلقيح أطفالهم. فبعض الآباء يعتقدون أن اللقاحات ليست آمنة، أو ليست حلالا ويرفضون تلقيح أطفالهم.

ثانيا، لا ترى الأسر أن ثمة ضرورة فورية للتحصين في الوقت الذي تفتقر فيه أيضا إلى خدمات أساسية من قبيل المياه النظيفة والغذاء. ويفضل الناس أحياناً المطالبة بالماء والطعام اليوم بدل المطالبة بالتلقيح للوقاية من الأمراض المحتملة غداً.

ثالثا، تظل صعوبة الوصول إلى المناطق بسبب الحظر والقتال الجاري مصدر قلق كبير. فمنذ أيار / مايو 2018، أدى حظر التنقل من بيت إلى بيت لأغراض التحصين في معظم أنحاء المنطقة الجنوبية، بما في ذلك قندهار وهيلماند وأوروزغان، إلى تعذر الوصول إلى أعداد متزايدة من الأطفال. وقد فاتت العديد من الأطفال في هذه المقاطعات الثلاث خمس فرص متتالية للتلقيح ضد شلل الأطفال، وهم الآن معرضون لخطر الإصابة بفيروس شلل الأطفال. وفي بلدان من قبيل أفغانستان حيث تقل المرافق الصحية في كثير من الأحيان، تكون الطريقة الأكثر فعالية للوصول إلى كل طفل هي حملات التلقيح التي تتم من بيت إلى بيت حيث يقوم المرشدون الاجتماعيون والملقحون بزيارة كل بيت لتلقيح الأطفال.

والسبب الرابع الذين يعيق عملية القضاء على الداء هو التنقل الشديد للأشخاص في المنطقة الشرقية التي لها حدود مشتركة مع باكستان. ونظراً لسهولة اختراق الحدود بين البلدين ورغم وجود نظام جيد للرصد والتتبع، فإن ثمة مجموعة سكانية شديدة الترحال ويصعب تتبعها والوصول إليها لأغراض التحصين.

تنفيذ التدابير الإستراتيجية

تحت إشراف وزارة الصحة العامة، وبالتعاون مع الشركاء، تم وضع إطار للتغيير لمواجهة تحدي شلل الأطفال المتبقي في أفغانستان.

وللتغلب على الأعراف الاجتماعية التي تدفع بعض الأسر إلى الرفض، تم توظيف ما يزيد على 70 ألف عامل ميداني من مجتمعاتهم المحلية في حملات على المستوى الوطني للقيام بالتلقيح من بيت إلى بيت. ويعمل البرنامج أيضاً مع الأشخاص ذوي النفوذ في المجتمعات المحلية من قبيل رجال الدين الموثوق بهم والذين يمكنهم تعبئة الناس وإقناعهم. وشكلت لجانُ رصدِ حالاتِ الرفض على المستوى الوطني والإقليمي للقيام بشكلي منهجي بالتوجيه والمراقبة والتعقب والحد من حالات الرفض.

وثانيا، بالنسبة للأسر المحرومة من الخدمات الأساسية، والتي لا ترى بالتالي أن ثمة حاجة فورية إلى التحصين، تنسق اليونيسف مع الدوائر الأخرى المعنية بالصحة والمياه والصرف الصحي والتغذية والتعليم حتى تواكب بخدماتها عمليات التحصين لزيادة طلب الأسر عليه.

ثالثاً، نفذت اليونيسف وشركاؤنا عدة نُهج للطوارئ في مجالات لا يُسمح فيها بالعمل بنهج التلقيح من بيت إلى بيت من أجل تعزيز مناعة السكان. وستواصل اليونيسف الدعوة إلى القيام بحملات من بيت إلى بيت باعتبارها أنجع نهج في القضاء على الداء. ونقوم في الوقت نفسه بحملات من موقع إلى موقع، حيث أضفنا لقاح شلل الأطفال إلى حملة لقاح الحصبة ووسعنا الأفرقة المتنقلة الدائمة.

امرأة تضع علامة على الباب تشير إلى اللقاحات التي أجريت
© UNICEF/Afghanistan/2017/Huylebroek«فردينة»، وهي طالبة من منطقة كاروخ في هيرات، تضع علامة على الباب تشير إلى اللقاحات التي أجريت. وقد تطوعت هي وصديقتها «رحيمة» للقيام بجولات التلقيح في منطقتهما في إطار حملة وطنية للتلقيح ضد شلل الأطفال تدعمها اليونيسف في أفغانستان.

وللوصول إلى الأطفال الذين يتنقلون بين أفغانستان وباكستان، قمنا بتحسين التنسيق عبر الحدود مع باكستان لتسهيل تلقيح السكان المتنقلين بين البلدين. ونقوم بتتبع حركات السكان ووضع خرائط لتلك التحركات وإنشاء مراكز تلقيح إضافية في مواقع التجمع الرئيسية ومعابر الحدود. وتقوم الأفرقة الخمسة عشر العابرة للحدود بتحصين ما يزيد على 100 ألف طفل كل شهر.

على المسار الصحيح

لم يكن من المعجزات قيامنا بتخفيض حالات فيروس شلل الأطفال البري بما يزيد على 99٪ منذ عام 1988، من حوالي 350,000 حالة في أكثر من 125 بلدا استوطن فيها إلى 33 حالة تم الإبلاغ عنها في عام 2018. فاستراتيجيات الاستئصال ناجعة. وحدث هذا بفضل تضافر الجهود. والعالم الآن على المسار الصحيح نحو القضاء على شلل الأطفال، رغم الصعوبات التي تعترض المسار في الشطر الأخير. ولا يمكننا التوقف هنا. وإذا لم ننجز المهمة الآن، فإن التقديرات تفيد بأنه في غضون عقد من الزمن، قد يصل عدد الحالات الجديدة في جميع أنحاء العالم إلى 200,000 حالة سنوياً.

وبعد أن قطعنا هذه الأشواط، يجب أن نعبر خط النهاية ونخلص العالم من شلل الأطفال للأجيال القادمة.

«يو ساساكي» أخصائي شراكة عامة في اليونيسف بطوكيو.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".