تركيا في زمن اللاجئين السوريين

سافرتُ مؤخرًا إلى مدينة غازيانتيب في جنوب تركيا، على مقربة من الحدود السورية، نظرًا لأنني أردت رؤية وضع الأطفال اللاجئين بنفسي. تحمل تركيًا عبئًا كبيرًا، حيث تًسهم في مساعدة ما يعد الآن أكبر تعداد من اللاجئين في العالم: ما يقرب من 2.8 مليون لاجئ سوري، منهم 1.2 مليون من اللاجئين الأطفال.

في العام الماضي، أحرزت تركيا تقدمًا هامًا، حيث قامت، بدعم من الجهات المانحة، بإلحاق أكثر من نصف هؤلاء الأطفال السوريين بالمدارس، ولكن للأسف، لا يزال أكثر من 40 في المائة يفتقرون إلى التعليم. ومن المحزن أن هناك 2.7 مليون طفل في المنطقة غير ملتحقين بالمدرسة. ولا يعرض هذا مستقبلهم فحسب للخطر، بل ومستقبلنا أيضًا – نظرًا لأن الإرهابيين يملؤون الفراغ، ليغسلوا عقول جيل مفقود من الأطفال. استمع إلى تقرير هيئة الإذاعة البريطانية من غازيانتيب بصوت ماثيو برايس (بدءًا من 02:10:16) ومقطع الفيديو القصير الخاص به على موقع Today.

سمعت بنفسي كيف يعاني الأطفال وأسرهم. أخبرني طفلان كيف أنهما يعملان لمدة 12 ساعة يوميًا، 6 أيامٍ أسبوعيًا في مصنع للنسيج. وفي يوم عطلتهما الوحيد، يأتيان إلى مركز للأطفال يدعمه اليونيسيف. فهما يريدان الالتحاق بالمدرسة، ولكنهما قالا إنهما مضطران للعمل ليتمكنا من دفع الإيجار. فقد استنفذت أسرٌ عديدة، بعد خمس سنوات، جميع مدخراتها وأصبحت مثقلة بالديون وتكافح. يهدف برنامج للمدفوعات النقدية يدعمه الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة مثل هؤلاء الأطفال على العودة إلى المدرسة.

وقد التقيت أيضًا بأسرة فرت من المنطقة الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وقد وصف أفراد الأسرة ما تعرضوا له من خوف ومعاناة. وفي النهاية، فروا لعلاج ابنهم الصغير، المصاب بسرطان العين. اخبرتنا الابنة كيف ساروا عبر حقل ألغام مليء بالأشلاء. وكيف سارت هي في المقدمة حتى لا يتعرض أبوها للانفجار – نظرًا لأن الأسرة تحتاجه. بينما أخبرنا أفراد أسرة أخرى كيف عاشوا في حظيرة أبقار لدى وصولهم إلى تركيا، أثناء عملهم في مزرعة.

رجل يجلس إلى طاولة زرقاء مع أطفال يلوِّنون منازل من الكرتون، بينما تنظر امرأة إليهم
© UNICEF/UN048834/Ergenجاستين فورسايث، نائب المدير التنفيذي لليونيسيف يتحدث إلى الأطفال السوريين في مركز الفرح بمدينة غازيانتيب. الفرح هو مركزً شامل لأسر اللاجئين السوريين يمكنهم فيه التسجيل للحصول على المساعدات والالتحاق بدورات لتعلم اللغة التركية وتلقي المؤن والدعم.

ولكن على الرغم من هذه المصاعب، هناك الكثير من الأمور المُلهِمة. في مخيم نيزيب للاجئين، التقيت كنانة، وهي فتاة تبلغ من العمر 17 عامًا كانت أسرتها من بين أوائل الأسر التي وصلت إلى المخيم منذ خمسة أعوام. أخبرتنا كنانة أنها كانت تذهب إلى مكان مناسب للأطفال، يدعمه اليونيسيف، لكي تلعب وتتعرف على أصدقاء جدد. وهي تتطوع الآن في نفس المركز لمساعدة الأطفال على التعامل مع ضغوط الصراع والتشرد، وهي تجربة تعرفها هي أيما معرفة. كما تذهب كنانة إلى مدرسة المخيم وترغب في دراسة علم النفس بعد تخرجها من المدرسة الثانوية.

ومن بين الأشخاص المُلهمين الآخرين بانا، البالغة من العمر 7 أعوام، والتي أصبحت مشهورة بسبب تقديمها تقارير إخبارية عن حلب أثناء الحصار. كان شرفًا لنا أن نلقاها وأمها فاطمة. وقد أخبرتاني بقصتهما، وهروبهما من حلب. ووصفتا لي كيف استقلتا حافلة احتُجزَت في أرض متنازع عليها لمدة 18 ساعة. كانت كل حافلة تضم 80 شخصًا. وقد ولدت إحدى الأمهات في حافلتهما.

من بين أكثر الأعمال شجاعة في التاريخ الحديث ما قام به الأطباء والممرضات في حلب، والذين أنقذوا الكثير من الأرواح على الرغم من تعرضهم للقنابل والحصار. التقيت طبيبين، كلاهما تعرضا لجراح. وقد وصفا لي كيف تعرض المستشفى الذي كانا يعملان فيه للقصف أربع مرات، منها واحدة بغاز الكلور – وكيف أنهم اضطروا لتمزيق ملابس الأطفال على الأرض، وغسلهم بالماء، واستخدام المنشطات لإنقاذهم. كما وصفا كيف نفذت المستلزمات الطبية واضطرا لبتر الأيدي والأرجل لعدم قدرتهما على معالجة الإصابات. وكان هروبهما مرعبًا أيضًا. فقد جمعوا 24 شخصًا في سيارة واحدة؛ وكان الطبيب المصاب (بحروق شديدة) يَحمل في حجره ثلاثة أطفال. أبطال حقيقيون. يدعم اليونيسيف العديد من العيادات الصحية في شتى أنحاء سوريا، بما في ذلك مكان عامل هذين الطبيبين، بالإضافة إلى المدارس وبرامج حماية الأطفال.

جاستين فورسايث هو نائب المدير التنفيذي لليونيسيف.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".