تحتاج الأسر في الغوطة الشرقية لمساعدتنا الآن أكثر من أي وقت مضى

عندما دخلت السيارة منطقة عدرا الصناعية على مشارف دمشق، كان من المستحيل أن يحضِّرني أي شيء لما كنت سأواجهه هناك.

هناك أربعة مراكز إيواء؛ ويتجمع أكثر من 5400 شخص في ثلاث مدارس مهجورة، في حين يقبع نحو 13 ألف آخرين في بناء كان سابقاً معهداً صناعياً لتدريس الكهرباء.

إن مراكز الإيواء في عدرا مكتظة للغاية، مما يجبر معظم الأسر على النوم في العراء برغم درجات الحرارة المنخفضة ليلاً. أما الذين يعثرون على مكان داخل المباني فيفترشون الأرض في الممرات.

“كل ما أريده هو النوم وحدي، وليس مع الآلاف من الناس، هل هذا كثير؟” سألتني إحدى النساء.

كبار وصغار يشاركون في أنشطة ترفيهية في الغوطة الشرقية، سوريا
©UNICEF/Syria/2018/Sanadiki يقوم المتطوعون بإشراك الأطفال الذين يقيمون في مركز إيواء في عدرا في أنشطة ترفيهية، لمساعدتهم على مواجهة أوضاعهم، في الغوطة الشرقية، سوريا.

في خضم هذه الفوضى، من السهل جداً أن يضيع الأطفال.

وجدنا صبياً صغيراً، وهو حمزة، الذي ضاع من والده أثناء وقوفه في طابور للحصول على الطعام. بينما انتظرنا أن يقوم الزملاء بتعقب عائلته بين الآلاف المؤلفة من الناس، سألني حمزة وهو يبكي: “أليس من الأفضل لو أني قد مت في الغوطة؟”

يجب ألا يقول أي طفل شيئاً مثل هذا. لم يمت حمزة، بل نجا هو وأسرته وعلينا جميعاً مسؤولية مساعدته على الازدهار والعودة إلى طفولته.

إن الأوضاع في مراكز الإيواء هذه أقل بكثير من المعايير الأساسية. فهي تفتقر إلى مرافق المياه والصرف الصحي، ما يزيد الأمور سوءاً بالنسبة للأسر التي تحتمي فيها. وتقوم اليونيسف بنقل المياه إلى أربعة مراكز إيواء يومياً، كما قد قامت بتركيب خزانات مياه وحمامات ومراحيض.

لكن هذا لا يكفي؛ إذ لا تزال الأسر تتوافد من الغوطة الشرقية إلى مركز الإيواء كل يوم والاحتياجات في تزايد. طوابير الحمامات طويلة جداً — ويضطر الأطفال إلى الخروج إلى العراء لقضاء الحاجة.

ممرضة تقوم بتلقيح طفلة تحملها أمها في مجمع معهد الكهرباء في عدرا، في الغوطة الشرقية، سوريا.
©UNICEF/Syria/2018/Sanadikiعامل في المجال الصحي (تدعمه اليونيسف) يقوم بتطعيم طفل قرب العيادة الصحية المتنقلة في مجمع معهد الكهرباء في عدرا، في الغوطة الشرقية، سوريا.

وفي إحدى المدارس، كانت الأم وابنها يجلسان القرفصاء قرب الحائط بينما كانت تحممه بزجاجة ماء صغيرة. انتظرت الأم طويلاً لاستخدام الحمام، لكنها أخيراً استسلمت. أخبرتني الكثير من النساء أنهن لم يقمن بالاستحمام أو بتغيير ملابسهن منذ أكثر من شهر، بعد أن اختبئن في الأمان النسبي للأقبية المكتظة بالبشر. وأخبرتني إحدى النساء: “لم أعتقد يوماً أنني في يوم من الأيام سأصبح أحلم بالاستحمام!”.

تدعم اليونيسف ثلاثة فرق صحية متنقلة تقوم بتوفير خدمات الرعاية الصحية الأولية للأطفال والأمهات، بما في ذلك الاستشارات، وفحص وعلاج سوء التغذية، وتوفير المغذيات الدقيقة الأساسية. كما تقوم الفرق بتلقيح الأطفال.

قال لي طبيب يتلقى الدعم من اليونيسف وهو يقوم بفحص أطفال المدارس: “إنني أعالج العديد من الأطفال الذين لديهم قمل أو يعانون من الإسهال ولدغات الحشرات”. وأضاف قائلاً: “هذه كلها قضايا تتعلق بالنظافة العامة والصرف الصحي”.

العديد من هؤلاء الأطفال والأسر الذين وصلوا إلى مراكز الإيواء قد عانوا لسنوات طويلة من وصول محدود إلى الرعاية الصحية الملائمة. وتوجد فرق صحية متنقلة مدعومة من اليونيسف في جميع مراكز الإيواء لتقديم الاستشارات الطبية والعلاج الأساسي كما تقوم بالإحالة إلى المستشفيات — عبر شركائنا — إذا لزم الأمر.

لقد فرَّت الأسر من الأقبية التي كانت تختبئ فيها في الغوطة الشرقية المحاصرة، بالثياب التي على ظهورهم ليس أكثر. ويرتدي العديد من الأطفال أحذية أمهاتهم، والأمهات حافيات؛ فالأم تفعل كل شيء، وأي شيء، من أجل أطفالها.

رجل يرتدي قبعة وسترة اليونيسف يحمل طفلا
©UNICEF/Syria/2018/Sanadiki أخصائي حماية الأطفال في اليونيسف في سوريا يحمل الطفل يوسف البالغ من العمر 6 أشهر، بينما تنتظر والدته في طابور الطعام في مجمع معهد الكهرباء في عدرا، في الغوطة الشرقية، في سوريا.

في مراكز الإيواء، رأيت رجالاً ونساء يصطفون في طابورين، أحدهما للرجال والآخر للنساء. طوابير طويلة… استغرقني المشي من آخر الطابور لأوله ثلث ساعة. كانوا يصطفون للحصول على الخبز الذي يتم توزيعه من شاحنة. كانت هناك طوابير طويلة غير منظمة تملأ المكان؛ من أجل الغذاء، أو مواد التنظيف، وأمام العيادات، وعند المراحيض. لا يسعني إلا أن أفكر في أفلام الخيال العلمي التي تحكي عن نهاية العالم… ولكن هذا ليس خيالاً، بل هو الواقع في سوريا.

وبينما كنا نغادر، شاهدنا أماً وأطفالها يغادرون أحد الملاجئ الجماعية ليتم لم شملهم مع أقارب لم يروهم منذ أكثر من أربع سنوات. وسط العناق والقبلات والصراخ، وقف الجمع المحيط بهم في رهبة اللحظة التي عبرت عن الخسارة الفادحة لسنوات الحرب.

لدينا فرق على الأرض تعمل على مدار الساعة لخدمة هذه الأسر. لقد قمنا بتأمين الأموال وخططنا استجاباتنا لخدمة 50 ألف شخص، ولكن الأرقام اليوم قد تجاوزت استطاعتنا. إذ يجب أن نخطط الآن لتقديم مساعدات إنسانية عاجلة لحوالي 200 ألف شخص في الغوطة الشرقية وما حولها.

إن أطفال الغوطة الشرقية وغيرهم من الأطفال ممن لا يزالون يتحملون وطأة العنف الوحشي في سوريا في أمس الحاجة إلى مساعدتنا الآن، اليوم وليس غداً. يحتاج الأطفال النازحون من الغوطة الشرقية إلى أماكن للنوم وللاستحمام، وما يقيم أودهم من الطعام، وما يسترهم من الملابس. وهم بحاجة إلى الألعاب والرعاية الصحية والتعليم وكل شيء يحتاجه الطفل ليس فقط للبقاء على قيد الحياة بل وللازدهار أيضاً.

ياسمين صقر هي مسؤولة تواصل تعمل مع اليونيسف في سوريا.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".