الوصول إلى الأطفال المعزولين في جبل سنجار

فلاح، ذو الخمسة عشر عاما يلعب لعبة كرة القدم بالدمى الخشبية في مكان غير متوقع – خيمة على قمة جبل سنجار في العراق، على ارتفاع 1,400 متر فوق مستوى المدينة التي هرب منها بعد أن هجم عليها المسلحون العام الماضي.

فوق صوت ضربات الكرة التي تصطدم بجدران اللوح الخشبي، أخبرني فلاح عن حياته في عالم منسي.

ويقول: “مضى على وجودي هنا أكثر من سنة وأربعة أشهر”. ويتتبع الأيام الطويلة التي مضت وهو منقطع عن المدرسة، ويضيف: “أفتقد منزلي وأصدقائي والمعلمين”.

وصلت لعبة كرة القدم قبل 10 أيام، ومثلت إضافة جديدة مرحبا بها للروتين الممل والصعب في الجبال الجرداء. فهنا يمكنه أن ينسى كل ما يتعلق بما خسره، ولكن عندما تنتهي اللعبة سيخرج إلى البرد القارس، إلى الهضبة الباردة الكئيبة، الخالية من كل شيء سوى الخيام القماشية الزرقاء والبيضاء وضباب الشتاء.

ويقول: “من المريع أن تعيش في خيمة هنا، ولكنني فقدت منزلي. وليس بيدي شيء.”

فتيان مهجرون من الطائفة اليزيدية يلعبون كرة القدم بالدمى الخشبية.
UNICEF/Iraq/2015/Mackenzie فتيان مهجرون من الطائفة اليزيدية يلعبون كرة القدم بالدمى الخشبية على قمة جبل سنجار.

هروب يائس

في شهر آب من سنة 2014 تسلطت الأضواء على هذا الركن النائي في العراق عندما وصلت أنباء عن عشرات الآلاف من الناس العالقين على جبل سنجار، بما فيهم فلاح.

هجم المسلحون على مدينة سنجار والقرى المجاورة لها، قاتلين ومستعبدين جميع اليزيديين الذين يجدونهم في طريقهم. واليزيديون هم أقلية تعيش في شمال العراق وتلتزم بدين يقوم على الصوفية والزرادشتية.

فرّ أولئك الذين أفلتوا من المسلحين إلى الجبل، وقطع العديد منهم الرحلة المضنية سيرا على الأقدام. حمتهم الجبال من الهجمات، ولكنهم أصبحوا فيها عرضة لقيظ الصيف دون طعام أو ماء أو مأوى، الأمر الذي زاد من هشاشة الأطفال والمسنين، الذين لم يتمكن العديد منهم من تحمل هذه المحنة.

وبحلول منتصف شهر آب، تم فتح ممر آمن؛ تمكن من خلاله معظم أولئك العالقين على الجبل من الانتقال إلى مواقع آمنة في مدينة الدهوك المجاورة.

ولكن بعضهم بقي هناك، ولم يتمكنوا أو لم يرغبوا في الابتعاد عن موطنهم. وأصبح الوصول لأولئك الموجودين على الجبل صعبا، يحول دونه خطوط النار الساخنة.

تغير الوضع في تشرين الثاني 2015 عندما غادر المسلحون مدينة سنجار وتم تأمين الطرق الموجودة في المنطقة، مما مكن اليونيسف والمنظمات الأخرى من تزويد فلاح وأسرته على جبل سنجار بالإمدادات والخدمات الهامة.

تقييم الاحتياجات

أعدت اليونيسف خطة استجابة وبدأت بتطبيقها فور تأمين الطرق إلى جبل سنجار. وفي شهر كانون الأول، انضممت إلى فريق تقييم اليونيسف المتوجه إلى الجبل، والمكلف بمتابعة تقدم خطة العمل.

استيقظنا قبل الفجر، وسرنا خلف فريق أمني مسلح طوال الرحلة التي استمرت ثلاث ساعات من مكتب اليونيسف الميداني في الدهوك. وكلما اقتربنا من الموقع كلما بدت لنا آثار النزاع واضحة، حيث رأينا قرى كاملة سويت بالأرض، وأخرى هجرها سكانها. وبالقرب من الحدود السورية، مررنا بفريق يعمل على إزالة الألغام من حقل على جانب الطريق. وفي الساعة الأخيرة قبل وصولنا إلى الجبل قابلتنا نقطة تفتيش جديدة كل 10 دقائق.

وعندما وصلنا إلى الجبل، بدأت درجات الحرارة بالتدني، حيث استقبلتنا رياح عاتية على قمة الهضبة، عصفت بالخيام المؤقتة التي تأتوي فيها 1,700 أسرة على السهل القاحل.

أطفال وخيام.
UNICEF/Iraq/2015/Mackenzie منظر المخيم على جبل سنجار.

وبعد أن استكشفنا المكان، اتضح لنا على الفور سبب صعوبة توصيل المساعدات إلى تلك المنطقة. فالبيئة هنا لا ترحم – فهي صعبة وصخرية وتشح فيها المياه ولا يتوفر فيها الغطاء النباتي الذي يمكن أن يحمي القاطنين هناك من الشمس الساطعة والأمطار الغزيرة أو الرياح الباردة. الخيام مبعثرة بشكل عشوائي على الهضبة الكبيرة، الأمر الذي يمثل تحديا يعطل توصيل الخدمات إليها – خاصة عند محاولة بناء شبكة آمنة للمياه والصرف الصحي. فالمسافة الكلية بين طرفي الهضبة تمثل تحديا كبيرا يعيق الوصول للمدارس وتوزيع الإمدادات.

وبالرغم من الصعوبات، تمكنت اليونيسف من تحقيق أثر إيجابي. فالأطفال يجرون أمام خزانات المياه والمراحيض في مدرسة جديدة في منتصف الهضبة. كما ظهر لون حقائب اليونيسف الزرقاء المحمولة على أكتاف الطلاب واضحا في الخلفية الرمادية والبنية. كما التقينا هناك بفريق من وزارة الصحة يُنظِّم حملة للتلقيح تدعمها اليونيسف، وتحدثنا إلى أطفال يرتدون ملابس شتوية دافئة وزعتها اليونيسف قبل أسبوع من زيارتنا.

أخبرني هواز، 9 سنوات، وهو من قرية تقع قرب سنجار، أنه سعيد لأن لديه معطفا جديدا الآن، فيقول: “أشعر بالدفئ الآن وأنا في طريقي إلى المدرسة”. أخبرنا أنه يحب الدراسة، ويريد أن يصبح طبيبا عندما يكبر.

التقدم الذي تحقق حتى الآن يبعث على الأمل، ولكن الاحتياجات هائلة، ولا يزال أمامنا الكثير من العمل. فلاح وأصدقاؤه الذين يلعبون كرة القدم بالدمى منقطعون عن الدراسة بسبب عدم وجود معلمين يتحدثون العربية. كما أن المرافق الصحية شحيحة، ولا يُقدَّم العلاج لمشاكل الصحة النفسية التي يعاني منها أولئك الذين عايشوا النزاع. كما تم تجنيد العديد من الأطفال في القوات المسلحة، وتعرضوا لدرجات عالية من العنف، أو تزوجوا في سن مبكرة.

وفي هذا الصدد قال لي عبد الجبار ديني، مدير المكتب الميداني في اليونيسف: “الأطفال الجنود وزواج الأطفال – وجميع التحديات التي تواجه حقوق الأطفال تجدها هنا. فهذه منطقة تحتاج تطبيق نهج سريع وكلي”.

ولدى عودتنا إلى الدهوك، اجتمع الفريق لمناقشة ما توصل إليه ووضع خطة عمل تتصدى للاحتياجات التي تم تحديدها من خلال التقييم. وكان من الواضح أنه بالرغم من كل هذه الصعوبات، فإن هناك أسرا ستبقى على الجبل لوقت طويل.

قال محمد برواري، مسؤول برنامج المياه والصرف الصحي في اليونيسف في الاجتماع: “هؤلاء الأشخاص يعانون، وهم متفرقون في أماكن مختلفة، ويبدوا أنهم سيبقون هناك لبعض الوقت، فلا توجد هناك خطة لنقلهم من هناك. هم خائفون ولقد عانوا الكثير، وهم يقدِّرون أي دعم يمكن أن نقدمه لهم”.

ليندساي ماكنزي، خبيرة في مجال الإعلام في مكتب اليونيسف في العراق.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".