اللعب ليس مجرد كلمة من ثلاثة أحرف

مؤخراً، وخلال أحد البرامج الإذاعية الشهيرة التي تذاع صباحاً، سأل المذيع عن نشاط رئيسي واحد يمكن استخدامه لـ “تحسين مهارات الأطفال الصغار في الرياضيات، فقمتُ بالاتصال وأجريت مداخلة!

وفي المساحة التي لا تتعدى دقيقة واحدة بين مكالمتي وبين نشرة أخبار السابعة صباحاً، حاولت أن أشرح كيف أن اللعب يشكل الأساس لتطوير المهارات الرياضية  والمهارات اللغوية؛ إلا أن ما أصابني بخيبة أمل هو أن المذيع لم يفهم الإجابة- وهي أن اللعب هو الشيء الوحيد الذي يمكن فعله لتحسين القدرات والمهارات في الرياضيات. غاص قلبي في صدري….لقد بدا وكأن اللعب هو فقط تلك الكلمة المكونة من ثلاثة أحرف والتي لا تُذكر إلا كسبب من الأسباب التي تعوق الأطفال عن التعلم.

في يقع مركز “سواريشينج” في نهاية طريق ترابي قرية صغيرة. حيث يقضي فيه ما يقرب من 300 طفل بين الثانية والخامسة من العمر أيامهم في التعلم واللعب. وكلمة “سواريشينج” تعني ضم اليدين معا باللغة السبيدية، وهي اللغة التي يتم التحدث بها في مقاطعة ليمبوبو في جنوب أفريقيا.

أدركت أننا ربما لا نزال خاضعين “لثقافة الوجبات السريعة”  في فهم كيف ينمو ويتعلم الأطفال. هل تحاصرنا فكرة أن هناك حلاً سريعاً- شيئاً له مفعول السحر- لبدء مسار الأداء والازدهار والنجاح؟ إذا كان الأمر كذلك، فإننا نفقد أهم جزء في إرساء أسس النجاح، وللأسف الشديد، فإننا نستبدل التعلم عالي الجودة بالتعلم الذي يشبه “الوجبات السريعة”.

إن اللعب يُساء فهمه باستمرار، وكثيراً ما يُنظر إليه على أنه نشاط عديم القيمة يهدف إلى التسلية فقط. إلا أننا نغفل الأهمية الحاسمة للعب بوصفه أحد الأسس الجوهرية في تعلم وتطور ورخاء الأطفال أو ننظر إليه على أنه “شيء هامشي” في نمو وتطور الكائنات البشرية. وهذا يشكل تحدياً يجب مواجهته من خلال اتخاذ إجراءات صارمة، وباستخدام الأدلة وحملات الدعم والتوعية. ليس هناك حل سريع أو قوة سحرية لفعل ذلك. فالأمر يتطلب العمل بتفانٍ ودأب ومثابرة كما يتطلب أبطالاً يقومون به.

وبعد مرور أسبوعين على مداخلتي الهاتفية التي استمرت لمدة دقيقة واحدة على الراديو، وجدت نفسي أحضر مؤتمر LEGO IDEA  وهو مؤتمر يُعقد في بيلوند بالدنمارك، ويضم أشهر الخبراء في العالم، لبحث موضوع جودة التعليم. وفي واقع الأمر فإن المؤتمر جاء ليؤكد على أن اللعب هو أمر محوري في عملية التعلم في المراحل الأولى من العمر وأنه يعد بمثابة الدعامة الأساسية للنمو وإتقان مهارات الوظائف التنفيذية الجوهرية والمهمة (شكراً جاك شونكوف!). إن أطفالنا بحاجة إلى أن يكونوا مستعدين للفرص والتحديات التي يفرضها القرن الحادي والعشرين، واللعب يجمع كل المهارات الأساسية من خلال التعلم عالي الجودة الذي يدعم النجاح سواء في السنوات المبكرة من العمر، أو في فصول الدراسة أو في ميدان العمل مستقبلاً (كاثي هيرش- باسيك، شكراً على إعادة التخيل!). إن جودة التعلم لا يمكن وضعها في صندوق. إذ لا يمكن تعريفها تعريفاً صارماً ومحدداً، أو توحيدها وإخضاعها للاختبارات. فالجودة هي عنصر نشط، وحافل بالمرح والاستكشاف والتعاون، إنها تؤدي إلى تراكم المهارات والمعرفة المطلوبة منذ البداية- التي ترتكز على اللعب-  وتحملنا إلى مستقبل مليء بالأمل والآفاق والفرص (باسي ساهلبيرج، أنت رائع!)

شاهد فيديو أسئلة وأجوبة حول ضمان الجودة يتعلق بالموقف الحالي للأطفال في جنوب أفريقيا مع أندريه.

إن الجودة في مرحلة التعلم والنمو المبكرة هي عملية تتضمن المشاركة وهي موجهة نحو المستقبل، ومتدرجة، واستكشافية وتدريجية ومرتبطة بوقت محدد، ومرنة وشاملة وإبداعية وتركز على النتائج والأكثر من ذلك، أن كل هذه الصفات منسوجة في نسيج من اللعب.

سألني أحد الأشخاص ماذا نفعل في جنوب أفريقيا لدعم اللعب، والأهم، لدعم التعلم القائم على اللعب. ذكرتُ في عجالة السياسات والوثائق التي توضح بجلاء وجود التزام على المستوى الوطني لتبني وتأييد اللعب. لابد  وأني كنت وأنا أتحدث أشبه بصوت إعلان ما…”اللعب هو أحد المجالات الرئيسية المحددة في خطة العمل الوطنية للأطفال في جنوب أفريقيا: 2012-2017، التي أثبتت أنه حق من حقوق الأطفال، وأنه ذو أهمية في عملية التعلم، من خلال ربطه بالترفيه، وأنه يجب دمج الأطفال ذوي الإعاقة في أنشطة اللعب. وينص القانون رقم 38 لسنة 2005 بشأن الأطفال على أن المشاركة في أنشطة اللعب تعد من الجوانب المهمة عند التعامل مع الأطفال.

كما أن “إطار المنهج الوطني للأطفال من سن الميلاد حتى سن الرابعة في جنوب أفريقيايرتكز على اللعب كعنصر أساسي من عناصر التعلم. ففي كتيب الطريق إلى الصحة الذي أصدرته وزارة الصحة، يتم التأكيد على أهمية اللعب كجزء من رسائل تعزيز الصحة، جنباً إلى جنب مع ممارسات التغذية والنصيحة بتعزيز التواصل مع الطفل. وأخيراً فإن ­السياسة الوطنية المتكاملة لتنمية الطفولة تنص على أن اللعب يعد أحد المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها السياسة وأنه يشكل جزءً أساسياً من عملية التعلم والنمو في سنوات العمر المبكرة.”

إن هذا في الواقع أمر مبهر- قلت ذلك لنفسي بعد أن أخذت نفساً عميقاً. غير أني شعرت بأني ملتزم بأن أضيف أن هناك بعض التحديات التي لا تزال مستمرة، بمعنى أنه لم يتم فهم اللعب والاستفادة منه بشكل جيد كجزء لا يتجزأ من عملية التعلم والنمو عند الأطفال، وأن التعلم القائم على اللعب لا يتم تطبيقه على المستوى العالمي في برامج تنمية الطفولة المبكرة وفي التعليم في مرحلة التأسيس. ومن ثم فإن هناك حاجة واضحة للدعم والتدريب من أجل تحسين قدرة ممارسي عملية التنمية في سنوات الطفولة المبكرة والمعلمين في المرحلة التأسيسية على تسهيل عملية التعلم في سنوات الطفولة المبكرة من خلال أساليب تربوية ترتكز على اللعب.

وقد أدت مواجهة هذه التحديات إلى إقامة شراكة بين منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، قسم التعليم الأساسي ومؤسسة “ليجو”، وذلك بهدف تحسين عملية التعلم من خلال قوة اللعب، بما في ذلك تدريب المعلمين. وبفضل المساهمة القيّمة لمؤسسة “ليجو”، سوف ينعم ما يقرب من 1.5 مليون طفل بآباء ومسئولي رعاية يفهمون أن اللعب جزء من عملية التحفيز والتعلم المبكر والنمو، ومن المتوقع تحقيق هذا الهدف في غضون فترة زمنية قدرها ثلاثة أعوام. ومن ثم سيحصل ثلاثة ملايين طفل على الدعم والرعاية والتعلم المبكر والنمو باستخدام اللعب كأداة واستراتيجية للتعلم من خلال تدريب الممارسين والمعلمين العاملين في مجال تنمية الطفولة المبكرة.

إن تحسين جودة التعلم المبكر بأسلوب فعال ووضع الأساس لتحقيق ليس فقط الأهداف المنصوص عليها في الخطة الوطنية للتنمية 2030: مستقبلنا- العمل نحو النجاح، ولكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة أيضاً. إن العالم الذي نتطلع إليه يبدأ بالالتزام بأهمية اللعب في التعلم والنمو…بشكل يومي ومدى الحياة (شكراً هاني راسموسن وميتش ريسنيك).

إن اللعب ليس مجرد كلمة مكونة من ثلاثة أحرف: إنه كلمة تحفيزية مليئة بالمفاهيم والأفكار والمفاجآت التي تسهل بعناية وبدقة عملية التعلم عالي الجودة وتُرسي الأسس المتينة التي ستساهم في تقدم البشرية.

 

أندريه فيفيرز هو أخصائي تربوي (تنمية الطفولة المبكرة) في منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف بجنوب أفريقيا.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".