الحواجز والمياه والأطفال في اليمن

عملي هو ضمان وصول المزيد من الأشخاص للمياه والصرف الصحي في اليمن، وهي واحدة من أفقر دول العالم بالمياه. ولكن بعد أقل من شهر على وصولي هناك، اضطررت لمغادرة صنعاء مع زملائي الأجانب في الأمم المتحدة بسبب تصاعد العنف في البلاد.

نحن الآن في منتصف شهر رمضان، وقد عدت لتوي إلى صنعاء، وبالرغم من أنني سعيدة بعودتي، إلا أن مشاعرا متضاربة تنتابني. فالمدينة النابضة بالحياة التي غادرتها قبل ثلاثة أشهر أصبحت مهجورة الان، باستثناء صف طويل من السيارات – يمتد لبضعة كيلومترات – تقف بانتظار الحصول على الوقود، ونفايات متكومة في الشوارع. عبرنا الحاجز، حيث رأيت صبيا يحمل بندقية، مع أنه أصغر بكثير من أن يحمل سلاحا. وبعدها رأيت الناس يقفون بالصف أمام المسجد بانتظار تعبئة قواريرهم البلاستيكية بالمياه، ويبدو البأس واضحا في عيونهم.

دفعت الأزمة في اليمن البلاد إلى حافة كارثة إنسانية، حيث يصف زميل الوضع هناك بأنه “القشة التي قسمت ظهر البعير”. فقد تضررت المدارس والمستشفيات والشوارع والجسور بفعل النزاع، وانهارت الخدمات العامة هناك. كما بدأت إمدادات الطعام والوقود والدواء تنفذ، ويهدد نقص المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي المناسبة صحة الملايين من الأشخاص بشكل جدي.

حجم المعاناة في اليمن واضح، والناس هناك يحتاجون للمساعدة الملحة، ولذلك عدت إلى هنا. نعمل أنا وفريقي على مدار الساعة لنزود الأطفال والعائلات المتأثرة بالنزاع بالمياه النظيفة وحقائب النظافة الشخصية الأساسية، التي تتضمن ضروريات كالصابون وقوارير المياه البلاستيكية.

في نيسان الماضي، السكان يملئون أوعيتهم من صنبور مياه عام في صنعاء.
© UNICEF/NYHQ2015-0870/Hamoudفي نيسان الماضي، السكان يملئون أوعيتهم من صنبور مياه عام في صنعاء.

تقدر الأمم المتحدة أن 80% من السكان يحتاجون للمساعدات الإنسانية، وهو رقم تقشعر له الأبدان. ومع ذلك، لا زلت أجد الإلهام في بعض الأشياء البسيطة مثل الشاحنات التي تسير في شوارع صنعاء لتجمع النفايات المتناثرة في كل مكان. ويعود الفضل جزئيا في ذلك إلى مساهمة اليونيسف في تزويد السلطات المحلية بالوقود. حيث توفر اليونيسف أيضا الوقود لعشرة مدن في البلاد، للإبقاء على عمل مضخات أنظمة المياه في المدن، وبالتالي ضمان وصول المياه لملايين الناس.

تجتاحني مشاعر قوية من وقت لآخر، فالواقع أن دقات قلبي تتسارع كلما سمعت صوت قصف بالجوار في الليل، ولكنني أتأثر أكثر عندما أتلقى أخبارا عن مقتل زميل أو موظف لدى شركائنا المحليين على يد قناص بينما كان يوصل المياه للسكان، أو اختطاف زميل لمدة أسبوع بينما كان يبني مرحاضا للنازحين. ولكن في ذات الوقت هناك قصص بطولية عن أولئك الذين شاركوا في توصيل الإمدادات وتوفير الوقود لمضخات المياه للمناطق التي يحتد فيها الاقتتال، والتي لم تتمكن المساعدات من الوصول إليها من قبل.

لدي احترام كبير لجميع زملائي اليمنيين الذين يعرضون حياتهم للخطر ويخرجون لتقديم الخدمات للنازحين. عودتي إلى اليمن قرّبتني من فريقي، فقد صرت أفهم الظروف الصعبة التي يواجهونها في عملهم كل يوم، وأن هذه الظروف لن تمنعنا من التخطيط على مستوى عال، وأن نذهب إلى أبعد الحدود. فقد نتمكن من التفاوض من أجل الدخول إلى عدن وجمع النفايات الصلبة حيث بدأت الأمراض تتفشى هناك، أو نتمكن من توزيع حقائب النظافة الشخصية على الباقين في صعدة ولم يتمكنوا من مغادرتها لضيق الحال.

الوصول لهؤلاء الناس أمر في غاية الأهمية، فخوفنا الأكبر ليس من وفاة أطفال اليمن بفعل طلقات الرصاص والقنابل ولكنه من وفاتهم جرّاء الأمراض التي يمكن الحيلولة دونها مثل الإسهال والالتهاب الرئوي. فإضافة إلى الخدمات الطبية واللقاحات، يمكن لتوفير المياه النظيفة ومرحاض وقطعة من الصابون أن تنقذ حياة طفل بالمعنى الحرفي للكلمة. وحتى لو ظل النزاع مشتعلا، وتم منعنا من الوصول مرة بعد أخرى، سنستمر في العمل حتى نصل لأولئك الذين هم في أمس الحاجة إلينا. ولكن الأهم من ذلك، أننا لن نفقد الأمل في أن ينتهي النزاع ويعم السلام على اليمن وأهلها مرة أخرى.

تعمل ماريج برويكويسن في اليمن كخبيرة للمياه والصرف الصحي والنظافة العامة. تمت كتابة هذه المشاركة خلال شهر رمضان.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".