الحصبة: من الأبطال الجدد؟

أسبوع التمنيع العالمي 2019 وقت مهم للاحتفال بالأثر المذهل للقاحات وزيادة الوعي بقدرتها على إنقاذ ملايين الأرواح كل عام. وفي هذا العام، تنضم ‹الوليد للإنسانية› إلى اليونيسف وشركائها في الاحتفاء بأبطال اللقاحات: رجال ونساء من جميع أصقاع الأرض يسعون سعياً حثيثاً كي يضمنوا أن تصبح مجتمعاتهم أكثر أماناً وأوفر صحةً بفضل حملاتهم التلقيحية.

ولكن، بينما نحن في غمرة احتفالاتنا، يواجه المجتمع الصحي العالمي أيضاً تحدّياتٍ في مكافحة أمراض يمكن الوقاية منها. وهنا، لنا أن نتساءل عما يمكن للحكومات والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات اتخاذه من إجراءات لتعزيز الإفادة من اللقاحات والتمكين من التوسّع في استخدامها.

أبطال على الدوام، وتحدّيات مستمرة

تدعم ‹الوليد للإنسانية› منذ أمدٍ بعيدٍ جهود مكافحة الأمراض. وفي عام 2017 دخلت في شراكة بقيمة 50 مليون دولار أمريكي مع اليونيسف لمساندتها في عملها الرامي إلى تلقيح ما يربو على 51 مليون طفلٍ في 14 بلداً، جنباً إلى جنبٍ مع شركاء آخرين من مؤسسي مبادرة مكافحة الحصبة والحصبة الألمانية (M&RI). تعتبر ‹مبادرة مكافحة الحصبة والحصبة الألمانية› شراكة عالمية فريدة من نوعها تجمع بين القطاعين العام والخاص وتُعنى بقيادة الجهود وتنسيقها في سبيل الوصول إلى عالمٍ خالٍ من الحصبة والحصبة الألمانية.

إن كوني جزءاً من هذه الشراكة أثار في نفسي أشدّ الإعجاب بـ “أبطال اللقاحات”، فأولئك الأشخاص ذوو عزمٍ لا يلين لتذليل العقبات المستمرة أمام التمنيع، وعزمهم هذا قائم على أولويتين اثنتين: التوعية والإتاحة.

سيدة ترتدي ملابس سوداء تداعب رضيعا تحمله أمه.
© Alwaleed Philanthropies/UNICEF Laosصاحبة السمو الملكي الأميرة لمياء في زيارة لعائلات من أهالي لاوس ممن استفادوا من حملات التمنيع ضد الحصبة.

لقد شهدت عن كثب تلك الجهود التي يقودها أولئك الأبطال، وذلك خلال زيارةٍ اطلعت فيها على مبادرةٍ تدعمها اليونيسف في «بانكوك سينجسوليا» في لاوس. يأتي الأبطال بصفاتٍ شتّى، فمنهم العاملون الصحيون الذين يتنقّلون بالقوارب والدراجات النارية بل وسيراً على الأقدام للوصول إلى الأطفال في أصعب الأماكن من العالم، والآباء الذين يكافحون دون كللٍ أم مللٍ كي يتلقى أطفالهم اللقاحات، والمجموعات المحلية، كالاتحاد النسائي في لاوس، والتي تعمل على مدار السنة لتثقيف الآباء بشأن أهمية لقاحات الحصبة في أكثر من 10 آلاف قرية.

تنشئ هذه المجموعات معاً شبكةً للدعم، حيث يؤازر بعضها بعضاً لمعالجة الأمراض وجهاً لوجه. وأنا فخورة بأني ساعدتُ في تمكين هذه المجموعات من خلال شراكتنا مع اليونيسف ومبادرة مكافحة الحصبة والحصبة الألمانية. ونظراً إلى أننا لم نتغلّب بعد على التحديات المتصلة بإتاحة اللقاحات، فإني أدعو المؤسسات الخيرية الأخرى والشركات للانضمام إلينا في جهدنا هذا.

تحديات جديدة، فهل من أبطال جدد؟

على الرغم من توفر اللقاحات الآمنة والفعالة بأسعار زهيدة، إلا أننا نجد أنفسنا في خضم أزمة حصبة عالمية. فقد أُبلغ حتى الآن من هذا العام عن 110 آلاف حالة إصابة بالحصبة. ويمثل هذا زيادة تفوق 300 في المئة عن العدد المبلغ عنه في الوقت نفسه من العام السابق.

إن هذه المشكلة ذات صلة بالإتاحة والقصور في التلقيح في المقام الأول. حيث يعيش معظم الأطفال المحرومين من التلقيح في بلدان تفتقر إلى نظام فعّال للرعاية الصحية، أو تعاني من قلّةٍ في الموارد، أو متأثرة بالنزاعات. ولكن عدم تيقّن العامّة من ضرورة التلقيح وأمانه، بما في ذلك في البلدان عالية الدخل ومتوسطة الدخل، يهدّد ايضاً المكاسب التي تحقّقت بشقّ الأنفس لمكافحة الحصبة.

سيدة ترتدي ملابس سوداء تلعب مع طفل تحمله أمه.
© Alwaleed Philanthropies/UNICEF Laosساعدت الشراكة بين اليونيسف والوليد للإنسانية في شراء 700 ألف لقاحٍ لحملات التمنيع في لاوس.

تؤجّج عدم التيقّن هذا شواغلُ متماثلةٌ تنتاب الآباء الذين اختاروا تلقيح أبنائهم: الرغبة في حماية صحة أطفالهم. وحين كان أطفالي صغاراً، كان هذا أيضاً شاغلي الأول. وقبل أن أتخذ أي قرارٍ بشأن صحة الأطفال ورفاههم، كنت ألجأ إلى استشارات واسعة، وذلك لأنني كنت أحرص على أن تبلغني كافة الحقائق.

أما الآن، يتلقى الآباء سيلاً غزيراً من المعلومات أكثر من أي وقتٍ مضى، بعضها قائم على العلم، ومعظمها لا أساس علمياً له بكل أسف. ففي عصرنا الرقمي، يمكن أن تنتشر الإشاعات بسرعة تفوق حتى أكثر فيروسات الحصبة تسبباً في العدوى.

ومن شأن ذلك كله أن يجعل عملية اتخاذ القرار أمراً صعباً ومربكاً. ولكن الحقيقة الباقية والراسخة هي أن عمليات التلقيح تجدي نفعاً، ويثبت العلم ذلك دون أدنى شكّ.

لقد أنقذت عمليات التلقيح قرابة مليون شخصٍ هذا العام خلال الأسبوعين الماضيين. ولكن استمرار تقدمنا يستلزم أبطالاً جدداً، وذلك على أعلى المستويات الحكومية، وفي المؤسسات الخيرية في عالم الشركات، وعلى المستويات الشعبية أيضاً. وحريّ بنا جميعاً أن نتحمل مسؤولية مشاركة الحقائق بشأن فعالية اللقاحات في حياتنا اليومية.

بإمكاننا جميعاً أن نصبح “أبطال لقاحات”. فلنعمل سوياً من أجل عالمٍ نقي فيه أنفسنا بالفعل من أمراض يمكن الوقاية منها.

 

الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود هي الأمين العام للوليد للإنسانية. وبفضل الدعم الذي تقدمه هذه المؤسسة، توصل اليونيسف وشركاؤها ملايين الجرعات من اللقاحات الحاوية على فيروس الحصبة إلى الأطفال حول العالم. ويدعم التمويلُ أيضاً أنشطة تكميليةً حيويةً كالتوعية وبناء القدرات واللوجستيات وتحفيز حملات التمنيع المنفذة للحياة.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".