الأطفال المهاجرين غير المرئيين في ليبيا

كانت سارة وماكين ترتديان الملابس نفسها. نفس القفازات الحمراء. نفس الجوارب الصغيرة.

هما فتاتان ذكيتان في السابعة من العمر. ماكين من ساحل العاج وسارة من غينيا.

قالتا كلاهما بانسجام تام: “نحن صديقتان جديدتان”.

لكن مأساة جمعتهما في مركز احتجاز طريق المطار في طرابلس، ليبيا.

قامت أسرتاهما، شأن أسر أخرى كثيرة، بمحاولة يائسة للوصول إلى أوروبا من أجل حياة أفضل. حاولت الأسرتان عبور البحر المتوسط في الشتاء القارس في قوارب هشة ومكتظة.

تم تهريبهم من قبل المهربين الذين لا يرحمون، بعد أن نجوا من خطر عبور الصحراء الليبية.

في أحد الأيام الأولى من عام 2018، كان الموج عالياً جداً. انقلب القارب. ابتلع البحر العديد من الأشخاص، منهما والد ماكين ووالدة سارة وأبوها.

أما الذين أنقذهم حرس السواحل الليبي فقد تم نقلهم إلى مركز الاحتجاز (وفيهم الأطفال) لأنهم يعتبرون دخلاء غير شرعيين بموجب القانون الليبي.

في مركز الاحتجاز قامت شرطية بارزة برعاية سارة وماكين (التي كان أبوها مصدوماً من وفاة زوجته)، وقامت بتوفير الطعام والملبس لهما.

رجل يرتدي سترة اليونيسف يحمل ملابس شتوية توزعها اليونيسف على الأطفال في مركز احتجاز في طرابلس، ليبيا.
© UNICEF/Libya/2018عبد الرحمن غندور، الممثل الخاص لليونيسف في ليبيا، يوزع الملابس الشتوية الجديدة للأطفال في مركز احتجاز طريق المطار في طرابلس.

يحبس الأطفال في غرف كالزنازين، وعلى أبوابها قضبان. ليس مركز الاحتجاز هذا مناسباً لهم، فهو شاسع ومخيف. ولكن مع ذلك يعيش فيه 85 طفلاً، بعضهم مع أسرهم وبعضهم مثل سارة لوحدهم.

هناك الكثير من القصص المؤلمة التي تمزق القلوب للأطفال الذين يعبرون الصحراء أو البحر، والأسر التي تمزقت، والرحلة اليائسة من أجل الحياة الأفضل صعبة المنال.

في هذا اليوم المشمس من أيام الشتاء، وبتمويل من الصندوق الاستئماني الأوربي، عملنا في اليونيسف مع منظمة الأمم المتحدة للاجئين لتوفير ملابس شتوية دافئة لحوالي 100 رضيع وطفل في هذا المركز.

شعور جيد أن تقدم القليل من الراحة، أن ترى الإثارة في أعين هؤلاء الأطفال وهم يرتدون ملابسهم الجديدة.

ولكن الأطفال يحتاجون إلى أكثر من هذا بكثير. يحتاجون إلى النظافة الأساسية والرعاية الصحية الأولية، وإلى التعليم، حتى لا يتخلفوا عن الركب. لقد أمضى بعض الأطفال في هذه المراكز سنوات بدون كتاب واحد لقراءته أو التعلم منه.

وتسعى اليونيسف، بالاشتراك مع المنظمة الدولية للهجرة، وبعد تحديد المصلحة الفضلى لكل طفل، إلى إعادة هؤلاء الأطفال إلى بيوتهم بكرامة، حيثما أمكن ذلك، لبدء عملية الاستشفاء بعد هذه المحنة.

ولكن بالنسبة للأطفال الذين يأتون من بلدان غير مستقرة، مثل سوريا أو الصومال أو إريتريا، فإن العودة إلى ديارهم ليست خياراً. وبدلاً من ذلك، وبدعم من المفوضية، فإن الهدف هو إيجاد بلد يقبل باستضافتهم كلاجئين. إيطاليا وألمانيا وفرنسا من بين البلدان التي تلقت بعض هؤلاء الأطفال، ولكن هناك حاجة إلى المزيد. وفي العام الماضي، كان تسعة من كل عشرة أطفال يصلون إلى إيطاليا بحراً من ليبيا غير مصحوبين بذويهم.

وتعمل اليونيسف أيضا مع الشركاء على إيجاد بدائل لاحتجاز الأطفال. وتجري حاليا مناقشات مع إحدى بلديات طرابلس لإنشاء ملاذ آمن.

لا ينبغي احتجاز الأطفال. وينبغي ألا يعامل الأولاد الذين لا تتجاوز أعمارهم 11 سنة نفس معاملة الرجال، بحيث يتم فصلهم عن أمهاتهم وأشقائهم. واليونيسف تدعو السلطات الليبية إلى تغيير ذلك.

ولكن الضرورة الإنسانية تفرض علينا أن نوفر للأطفال المحتجزين ضروريات البقاء والعيش الكريم، بما في ذلك توفير الأنشطة الترفيهية والتعليمية، ويجب ألا ننسى أن التعليم واللعب هما من الحقوق الأساسية لكل طفل. ولهذا نفعل ذلك.

رجل يرتدي سترة اليونيسف يلتقي الأطفال وعائلاتهم وهم يصطفون لتلقي الملابس الشتوية الجديدة عند توزيعها في مركز احتجاز طريق المطار في طرابلس
© UNICEF/2018/Leithعبد الرحمن غندور، الممثل الخاص لليونيسف في ليبيا، يلتقي الأطفال وعائلاتهم وهم يصطفون لتلقي الملابس الشتوية الجديدة عند توزيعها في مركز احتجاز طريق المطار في طرابلس.

ومن المفارقات أن هؤلاء الأطفال في مراكز الاحتجاز الرسمية ربما ليسوا الأسوأ حالاً.

لكل واحد منهم، هناك أكثر من 30 طفل في عداد المفقودين، في مكان ما في هذا البلد الشاسع، ليبيا. ويتم خداع المراهقين والمراهقات غير المصحوبين أو المنفصلين عن أهلهم وإيهامهم بأنهم من سيوصل أسرهم إلى أوروبا.

من يدري كمَّ المعاناة والإساءة التي تواجههم خلف الجدران والصامتة؟

في اليونيسف، سنبذل قصارى جهدنا لإيجاد هؤلاء الأطفال غير المرئيين.

سنعمل على إنشاء خطوط ساخنة، وتعزيز تنسيقنا مع السلطات من أجل التعقب والتسجيل، وتوسيع شبكتنا من الشركاء المحليين في المناطق النائية، وكذلك مع البلدان الرئيسية جنوب الصحراء الكبرى، وعلى توفير الخدمات الأساسية على طريق الهجرة، على أمل أن يتم إنقاذ الأطفال المتنقلين.

سنفعل كل ما في وسعنا، لإعادة إيمانهم، وكذلك إيماننا، بالإنسانية.

في ذلك اليوم الشتوي، في مركز احتجاز طريق المطار، ابتسمت ماكين وسارة حين حملتهما بين ذراعي، ولم أبك إلا حين أن أمالتا أنظارهما عني.

 

عبد الرحمن غندور، الممثل الخاص لليونيسف في ليبيا.

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".