الأسر السورية تكافح من أجل البقاء في شرق الغوطة المحاصر

إن حجم الدمار وعمق المعاناة مذهلان.  ومن الصعب تصور الحياة في هذه الظروف.

هذه هي الأفكار التي جاءتني عند وصولنا الى ما يسمى “المنطقة العازلة” خارج بلدة النشابية المحاصرة في شرق الغوطة، ريف دمشق.

كانت هناك أشجار محترقة، وأنقاض وحطام أبنية ممتدة على الشوارع عندما دخلنا المدينة لتسليم مساعدات كجزء من قافلة الإغاثة المشتركة للأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي والهلال الأحمر العربي السوري. وكانت هذه أول مساعدات إنسانية تصل الى المنطقة منذ بدء النزاع في سوريا منذ سبع سنوات.

رافقت القافلة بصفتي  رئيس هيئة  المياه والمرافق الصحية والنظافة مع اليونيسف في سوريا. أحضرنا الغذاء وإمدادات الصحة والتغذية، ومواد تعليمية، ولوازم النظافة الأساسية، وملابس الأطفال ومساعدات ضرورية للأطفال والأسر في النشابية – تكفي 7200 شخصًا.

أخبرنا أفراد من المجتمع المحلي بأنه من بين الثلاثة والعشرين قرية محاصرة شرق الغوطة، هناك ست قرى فقط يمكن العيش فيها في خضم العنف والتدمير. وتعيش الأسر في المنطقة في خوف دائم، ينتقلون بانتظام من قرية الى الأخرى هربا من العنف.

هل يمكنك ان تتخيل دائما ان تتنقل بشكل دائم مع اطفالك؟

تسافر سيارات الأمم المتحدة في قافلة على طريق مرصوف
UNICEF Andreas Knappفى 30 تموز/يوليه 2017, قامت قافلة مشتركة بين الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري بإيصال المعونات الإنسانية للمرة الاولى الى بلدة النشابية المحاصرة في شرق الغوطة.

“نتحرك عندما يكون هناك قتال؛ وعندما يعود الهدوء، نعود،” أخبرني أحد الرجال موضحا حياة التشرد التي يواجهها الاطفال وأسرهم كل يوم.

معظم المدارس قد دمرت او أصيبت بأضرار مما أجبر الأطفال على التوقف عن الدراسة جزئيا او كليا. بعض الاطفال الذين التقيتهم لم يدخلوا فصلًا دراسيًا منذ أكثر من سنتين، بينما يذهب آخرين الى المدرسة بصورة متقطعة.

قام الأباء والمدرسين بنقل جميع المدارس الواقعة بالقرب من الخطوط الأمامية الى مباني سكنية وأقبية لحماية الأطفال وإعطاءهم شعورا باليوم الدراسي العادي.  ولكن لا يزال هناك نقص حاد في عدد المدرسين والكتب المدرسية، مما يجعل من الصعب على الأطفال مواصلة تعليمهم.

زرنا المستشفى الوحيد الذي يعمل في بلدة النشابية – أو ما تبقى منه. وقد دمرت اجزاء كبيرة منه في القتال، مع وجود عدد قليل فقط من الاطباء يعملون في القبو، مُقدمين أبسط الخدمات الصحية للأطفال وأسرهم. فهم يفتقرون إلى ما يكفي من الإمدادات الطبية وموظفي الصحة، ولكنهم يبذلون كل ما في وسعهم لإنقاذ الأرواح.

سيارة بيضاء تابعة للأمم المتحدة تقف خارج المستشفى المتضرر.
UNICEF Andreas Knappمستشفى مدمر حيث يقوم الأطباء بالعمل في القبو، وتوفير الخدمات الصحية الأساسية للأطفال وأسرهم.

وفي وسط بلدة النشابية، يقوم الرجال والأطفال بجلب الماء لأسرهم باستخدام المضخات اليدوية، بسحب الماء من الآبار.

وقال لي أحد الأباء ” نحن نعلم أن المياه ملوثة،” “نستخدمها فقط من أجل الغسيل والتنظيف”.

تشتري الأسر مياه الشرب بسعر يفوق 7 مرات سعر الماء في أجزاء أخرى من سوريا- 500 ليرة سورية، أي حوالي 1$ دولار أمريكي مقابل 20 لتر فقط. ويتم تصفية مياه الشرب هذه باستخدام المعدات المصنوعة محليًا، مما يعني أنها ليست آمنة تمامًا.

وأوضحت العائلات أنهم لا يستطيعون غلي الماء -والذي قد يكون بديلا أرخص من تعقيمه لأجل الشرب – وذلك لأن الوقود مُكلف ونادرا ما يتوفر. وغالبًا ما يقوم السكان بجمع الأكياس البلاستيكية وحرقها كوقود.

وبالرغم من الندرة والدمار، إلا أن صمود الأطفال وتصميمهم على البقاء وعلى أن يتمتعوا بطفولة طبيعية مثير للإعجاب. سمعت عن عائلة من خمسة أفراد عاشت أربعة اسابيع على دخل يقارب 20$ دولارا أمريكيا كسبوه من الزراعة وبيع منتجاتهم. وغالبا ما تكون هذه الوسيلة الوحيدة للبقاء بالنسبة للأطفال والأسر التي تعيش في شرق الغوطة، وهي منطقة اشتهرت سابقًا بإنتاج وتوفير الفواكه والخضروات لأحياء كاملة من دمشق والمناطق المحيطة بها.

مدى وحجم معاناة الأطفال في شرق الغوطة يفوق التصور. العنف الشديد فى المناطق المأهولة بالسكان مثل هذه يعرض حياة آلاف الأطفال للخطر. ويسبب النزوح الجماعي والضحايا من المدنيين. وقد أصبحت المستشفيات والمدارس والملاعب في الخفاء خوفا من استهدافها. كما أن نقص الأغذية والمياه والأدوية يجعل الأطفال معرضين لخطر شديد.

ومن أجل إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة والتي يحتاجها هؤلاء الأطفال بشدة، يجب أن يكون لدينا وبشكل منتظم، وصول دون قيد أو شرط ودون عوائق الى جميع الأطفال المحتاجين في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك المناطق المحاصرة وتلك التي يصعب الوصول اليها.

اندرياس ناب رئيس هيئة المياه والصرف الصحي والنظافة في اليونيسف سوريا.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".