إذا أردت أن تُنقذ العالم، فكُن أنت بطلَك الخارق!

عندما اشتركت لأكون ضمن  فريق اليونيسف للاستجابة لحالات الطوارئ، انتابني شعور غامر من الإثارة والبهجة لكوني أهبُ نفسي لمهمة أؤمن بها حقاً: دعم النساء والأطفال في مناطق النزاع وحالات الطوارئ.

شكّك بعض أفراد عائلتي وأصدقائي المُقرّبين في هذا الاتجاه المهني، كونَه ينطوي على مخاطر ويضع حياتي الشخصية في مرتبة متأخرة من اهتمامي. بمعنى آخر، عدم الزواج أو إنجاب الأطفال: وهي الصورة النمطية التي تواجهها معظم النساء العربيات بشكل يومي. “من يريد الزواج من فتاة تشبه إنديانا جونز؟” دأبت أمي على سؤالي. ومع ذلك، اخترت أن أتبع حدْسي وأمضي قُدُماً في طريقي. كما يمكنك أن تتخيل، مررتُ برحلة مثالية أحياناً، ولكني لن أغيّرها ولو عُرِض عليّ العالم بأسرِه في المقابل. شهد مسار حياتي العديد من الفترات الجيدة ولكن كانت هناك أيضاً لحظات كئيبة وصعبة للغاية؛ كاد ذلك أن يُفقدني ثقتي في البشرية ولكنه مكّنني أيضاً من أن أشهد معجزات الحياة الإلهية والجميلة. إذن، هل أنت مستعد لرحلة سريعة أستعرض معك فيها ما دفعني إلى أن أصبح عاملة “إنسانية” (وإلى أن أفخر بكوني كذلك)؟

مجموعة من النساء يجلسن في قاعة الاجتماعات
© UNICEF/Ghorayebمنتدى المرأة، منعقداً، في مالي

كيف بدأ كل ذلك؟ اليقظة

وُلدتُ وترعرعت في لبنان، البلد الذي شهد موجة من الحروب والكثير من عدم الاستقرار السياسي لدرجة أنه حوّلني إلى ناشطة سلام متحمسة. بعدها قادني ذلك إلى طريق لاكتشاف الذات والتأمل. شعرتُ أن لديّ مسؤولية أخلاقية لإحداث فرق في العالم. لاحقاً، انتهيتُ إلى إدراك أن أجْدَى واجباتي هو أن أشفي نفسي أولاً، ثم أتعلم دروساً من ماضيَّ المؤلم، وأنشر دروس الصمود والقوة في كل مهمة اضطلع بها.

كيف تمكنتُ من ذلك؟  أساسيات كونك امرأة في عالم الرجل

أنا لستُ مستشارة الأمن النمطية التي تتصورها. بدلاً من السراويل التكتيكية والأزياء العسكرية، أرتدي الكعب العالي، وأتبع اتجاهات الموضة، وأراعي تناسق ملابسي. أكون حازمة عندما أحتاج إلى أن أكون كذلك وأخُطّ حدودي بوضوح، ولكنني لا أعتذر عن أنوثتي، وأستخدم خصائص مثل التعاطف، والحدْس، واللباقة لكي أكون لاعباً قيِّماً في الفريق، شخصاً يجلب “مكونات إضافية” إلى الطاولة.

“من يريد الزواج من فتاة تشبه إنديانا جونز؟” دأبت أمي على سؤالي. ومع ذلك، اخترت أن أتبع حدْسي وأمضي قُدُماً في طريقي.

غالباً ما أكون المرأة الوحيدة التي تعمل في، أو تقود، فريقاً مؤلفاً من زملاء ذكور، أو أذهب إلى الخطوط الأمامية، أو أضغط على سُلطات لديها تصورات مُسبقة بشأن نوعي الاجتماعي وما ينبغي أن يكون عليه دوري بالفعل. ليس الأمر سهلاً دائماً، وفي بعض الأحيان، عليك أن تعمل بجدّ أكبر لإثبات ذاتك. لكن أياً من ذلك لم يمنعني من تحقيق نتائج؛ وإن كان ثمة تأثير لمثل تلك الحواجز فهو أنها تلهمني لكسرِها. إنني مَدينة بالكثير لزملائي الذكور الذين دعموني وظلوا مخلصين على مدار السنين وفي أصعب حالات الطوارئ، مثل تلك التي وقعت في مالي وفنزويلا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كنا كياناً “واحداً” في إدارة الأزمة من أجل قضية مشتركة بغض النظر عن العمر والنوع الاجتماعي والانتماء.

مجموعة من النساء يجلسن على العشب
© UNICEF/Ghorayebالعديد من النساء من أفغانستان محرومات من التعبير عن آرائهن

هل الأمر يستحق ذلك؟ طيفٌ كامل، الخير/ الشر في العلاقات الإنسانية

في هذا النوع من العمل، تعتقد أنك أنت الذي يصلح المواقف، وينشأ النظم، ويحل المشكلات، ويعالج الآلام، ولكن هذه الأمور في الواقع تُحوّلك وتؤثر عليك مدى حياتك. في كل بلد عملتُ فيه، تركتُ جزءاً مني أو واجهتُ غيّر من معتقداتي.

الشر

لقد بكيتُ مع فتاة جنوبية سودانية ذُبحت أختها أمام عينيها في هجمات عام 2016، وشعرتُ بألم وحرمان المرأة اليمنية التي تنتظر في طابور طيلة يوم كامل للحصول على 20 دولاراً أمريكياً (من مشروع التحويل النقدي لليونيسف) لشراء طعام يمكّنها من إطعام أسرتها لمدة شهر. قمتُ بالتواصل مع نفسيات النساء اللائي تعرضن للإيذاء العاطفي والبدني وأجبرن على الاعتقاد بأنه ليس لهن صوت في أفغانستان.

الخير

ولكن، كما هو الحال مع كل شيء في الحياة، هنالك الخير أيضاً. لقد رأيت كذلك الأمل في عيون الأطفال اليمنيين الذين تجرّأوا على الحُلم (مثل عزيزي عثمان الذي يطمح أن يكون طبيبَ عيون كي يُصحّح رؤية الناس ليتمكنوا من رؤية كم كان العالم جميلاً). لقد شاركتُ نساء جنوب السودان شعورهن بالانتماء عندما أنشأنا منتدىً نسائياً كمكان آمن للتعبير عن مخاوفنا من خطر الاغتصاب. لقد شعرتُ بالفخر عندما تمكنتُ من تشجيع نساءٍ من بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا على التفكير بالإمساك بعِنان فرديّتهن وعلى إدراك مواطن قوتهن الداخلية، من خلال التدريب الأمني للنساء.

رسم لطفل صغير
© UNICEF/Ghorayebرسمت هذه الفتاة أختها القتيلة في جنوب السودان، وتدعوها “أميرتي”

الدروس المُستفادة: كيف تكون صانعاً للتغيير

حياة الشخص الذي يعمل في الحقل الإنساني صعبة، فهي تأتي مع واجب أخلاقي في أن يكون هو “صانعاً للتغيير” لكي يمكنه التعبير عن ذلك في عمله. فيما يلي بعض الدروس المستفادة:

قدّر واشعر بالامتنان إزاء الأشياء البسيطة في الحياة، ولا تأخذ أي شيء كأمرٍ مفروغ منه

استسلم للقوة الأعظم، وارع حياتك الروحية (هذا يُعطيني القوة الداخلية لتحمل المظالم التي أراها)

لا تدع العمل يستغرق كل وقتك. ابحث عن مساحة للاستمتاع بالهوايات، ومتابعة الاهتمامات، والاستثمار في العلاقات الشخصية

احتفِ بالتنوع الثقافي والروابط الإنسانية بكل أشكالها

طوّر منظومة قوية للدعم (تمكنني من الاسترشاد في لحظات الشك بالنفس وعدم اليقين)

اعط الأولوية للالتزام بمتطلبات الرعاية الذاتية من خلال الاستغراق العقلي وممارسات الالتصاق بالواقع، وكن شجاعاً بما يكفي للتعرّف على علامات إعياء الشفقة، والإنهاك المهني، والعمل على معالجتها

نعم، لقد اخترتُ طريقاً غير تقليدي وكسرتُ قوالب توقعات ثقافتي. أخذني ذلك عبر حياة أشبه بجولة على متن الأفعوانية في مدينة الملاهي؛ ولكنه ربطني بجوهري الحقيقي (أو جذوري): جذور البشرية.

ما نقوم به كموظفين إنسانيين هو أمرٌ مُجزٍ ويبعث على الرضا. لذلك استمِر في العمل بقلبك واجعل إيمانك الذاتي من صحة ما تقوم به هو دافعك للعمل. لا تسع خلف السمعة ولا تعتمد على الإشباع الخارجي. ستكون حراً، وستكون صامداً، وستحتفي بكونك أنت بطلك الخارق وتسمو متجاوزاً العالم من حولك.

 

هند غُريِّب هي مستشارة أمنية لمكتب برامج الطوارئ في مقر اليونسف

أترك ردّاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بكلمة "إلزامي".